ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

النَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ. اهـ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُنَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [١٠ ٢٤]، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [١٨ ٧] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [١٨ ٤٥] أَيْ لِنَخْتَبِرَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِنَا.
وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا هُنَا لِجَعْلِ مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا (وَهِيَ الِابْتِلَاءُ فِي إِحْسَانِ الْعَمَلِ) بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهَا هِيَ الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ وَالسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [٦٧ ١ - ٢]، وَقَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [١١ ٧].
وَقَدْ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِحْسَانَ بِقَوْلِهِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا الَّذِي أَوْضَحْنَا مِنْ أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا جَعَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِيَبْتَلِيَ خَلْقَهُ، ثُمَّ يُهْلِكَ مَا عَلَيْهَا وَيَجْعَلَهُ صَعِيدًا جُرُزًا - فِيهِ أَكْبَرُ وَاعِظٍ لِلنَّاسِ، وَأَعْظَمُ زَاجِرٍ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَإِيثَارِ الْفَانِي عَلَى الْبَاقِي، وَلِذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ مَاذَا تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ».
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا.
أَمْ [١٨ ٩]، فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ عَنِ التَّحْقِيقِ، وَمَعْنَاهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ «بَلْ وَالْهَمْزَةِ» وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بِمَعْنَى «بَلْ» فَقَطْ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَالْمَعْنَى: بَلْ

صفحة رقم 204

أَحَسِبْتَ، وَعَلَى الثَّانِي فَالْمَعْنَى: بَلْ حَسِبْتَ، فَهِيَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَامِعَةٌ بَيْنَ الْإِضْرَابِ وَالْإِنْكَارِ، وَعَلَى الثَّانِي فَهِيَ لِلْإِضْرَابِ الِانْتِقَالِيِّ فَقَطْ.
وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَإِنِ اسْتَعْظَمَهَا النَّاسُ وَعَجِبُوا مِنْهَا، فَلَيْسَتْ شَيْئًا عَجَبًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِنَا وَعَظِيمِ صُنْعِنَا، فَإِنَّ خَلْقَنَا لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَجَعْلَنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا، وَجَعْلَنَا إِيَّاهَا بَعْدَ ذَلِكَ صَعِيدًا جُرُزًا، أَعْظَمُ وَأَعْجَبُ مِمَّا فَعَلْنَا بِأَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَمِنْ كَوْنِنَا أَنَمْنَاهُمْ هَذَا الزَّمَنَ الطَّوِيلَ، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ:
مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا - إِلَى قَوْلِهِ - صَعِيدًا جُرُزًا [١٨ ٧ - ٨]، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ الْآيَةَ [١٨ ٩]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ قِصَّتَهُمْ لَا عَجَبَ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا خَلَقْنَا مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا.
وَمِنْهَا أَنَّهُ يَكْثُرُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ تَنْبِيهُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وَمَنْ خَلَقَ الْأَعْظَمَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْأَصْغَرِ بِلَا شَكٍّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ الْآيَةَ [٤٠ ٥٧]، وَكَقَوْلِهِ: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا - إِلَى قَوْلِهِ - مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [٧٩ ٢٧ - ٣٣] كَمَا قَدَّمْنَاهُ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ وَالنَّحْلِ».
وَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الْعِظَامَ: كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا فَلَا عَجَبَ فِي إِقَامَتِهِ أَهْلَ الْكَهْفِ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، ثُمَّ بَعْثِهِ إِيَّاهُمْ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
وَالْكَهْفُ: النَّقْبُ الْمُتَّسِعُ فِي الْجَبَلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُ وَاسِعًا فَهُوَ غَارٌ. وَقِيلَ: كُلُّ غَارٍ فِي جَبَلٍ: كَهْفٌ. وَمَا يُرْوَى عَنْ أَنَسٍ مِنْ أَنَّ الْكَهْفَ نَفْسُ الْجَبَلِ، غَرِيبٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي اللُّغَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِـ الرَّقِيمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ، قِيلَ: الرَّقِيمُ اسْمُ كَلْبِهِمْ، وَهُوَ اعْتِقَادُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ حَيْثُ يَقُولُ:

وَلَيْسَ بِهَا إِلَّا الرَّقِيمُ مُجَاوِرًا وَصَيْدُهُمْ وَالْقَوْمُ فِي الْكَهْفِ هُمَّدُ
وَعَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ الرَّقِيمَ: بَلْدَةٌ بِالرُّومِ، وَقِيلَ: اسْمُ الْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الْكَهْفُ، وَقِيلَ: اسْمٌ لِلْوَادِي الَّذِي فِيهِ الْكَهْفُ، وَالْأَقْوَالُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا

صفحة رقم 205

أضواء البيان

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي

سنة النشر 1415
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية