قال ذو القرنين هذا أي السد أو الإقدار على تسويته رحمة من ربي على عباده فإذا جاء وعد ربي أي وقت وعده لخروج يأجوج ومأجوج، أو لقيام الساعة بأن شارف يوم القيامة جعله دكاء قرأ الكوفيون بالمد والهمز بغير تنوين أي أرضا ملساء مستوية، وقرأ الباقون بالتنوين من غير همز ومد وهو مصدر بمعنى المفعول أي مدكوكا مبسوطا مساويا للأرض وكان وعد ربي حقا كائنا لا محالة انتهى قصة ذي القرنين، قال البغوي وفي القصة أن ذا القرنين دخل الظلمة فلما رجع توفي بشهرزور وذكر بعضهم أن عمره كان نيفا وثلاثين سنة.
قال البغوي روى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة يرفعه أن يأجوج ومأجوج يحفرونه يعني السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً فيعيد الله عز وجل كما كان حتى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله واستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه فيخرجون على الناس فيتبعون المياه ويتحصن الناس في حصونهم منهم، فيرمون سهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم فيقولون : قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عز وجل لففاً في إقفائهم فيهلكون وإن دواب الأرض ليسمن ويشكر من لحومهم شكراً، وروى مسلم عن النواس بن سمعان قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما دخلنا إليه عرف ذلك فينا فقال : ما شأنكم ؟ فقلنا : يا رسول الله ذكرت الدجال فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال :( غير الدجال أخوف عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فامرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه طافية أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف أنه خارج بين الشام والعراق فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا، قلنا : يا رسول الله فما لبثه في الأرض ؟ قال : أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أمامه كأيامكم، قلنا : فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال : لا اقدروا له قدره، قلنا : يا رسول الله وما سراعه في الأرض ؟ قال : كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فيمطر عليهم والأرض فينبت ويروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرىً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، قال : فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول لها : أخرجي كنوزك فيتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك.
فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام فينزل عند المفازة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قرط وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لدً فيقتله، ثم يأتي عيسى قوما قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرةً ماء، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار ولأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى تركها كالزلفة ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك وروي بركتك، فيومئذ يأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بعجفها، ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبةً فتأخذهم تحت آباطهم فيفيض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة ) وفي رواية أخرى لمسلم نحو ما ذكرنا وزاد بعد قوله ( لقد كان بهذه مرة ماء ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس، فيقولون : لقد قتلنا من في الأرض هلم فلتقتل من في السماء، فيرمون نشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبا دماً، وروى الترمذي نحوه وفيه ( فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم بالمهبل، ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين، ثم يرسل الله مطرا إلى آخر الحديث )١ ذكر البغوي هذا الحديث ثم قال : قال وهب ثم يأتون يعني يأجوج ومأجوج البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة ولا بيت المقدس، وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج }٢.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: قول الله تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ١٥٩٣..
التفسير المظهري
المظهري