فقال الله عزّ وجلّ : أنا ربك ، فوسوس إليه الخاطر : لعلك تسمع كلام شيطان، قال : فلما قال : إنني أنا ، عرفت أنه كلام الله عزّ وجلّ. قيل : إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء.
ثم قال له : فاخلع نعليك ؛ لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل : ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل : إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل : النعلين : الكونين، أي : فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى : إِنك بالوادِ المقدَّس : تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. رُوي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و طُوى : بدل من الوادي، وهو اسم له. وقُرئ منونًا ؛ لتأوله بالمكان، وغير المنون ؛ لتأوله بالبقعة.
أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى : إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي : اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل :
واخلع النعلين إن جئتَ إلى *** ذلك الحي ففيه قدسنا
وعن الكونين كن منخلعـا *** وأزل ما بيننا من بَيْنِنَا
إنك بالواد المقدس، أي : بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية ؛ شكرًا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأُكرم مثواك، وأُجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهلُ العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابنُ الفارض، حيث قال في كلام له :
آنسْـتُ في الحَيّ نارًا *** لَيْلاً فَبَشّرْتُ أهلي
قُـلْـتُ امـْكـُثُـوا فلَعـلّي *** أجِدْ هُدايَ لَعَلّي
دَنَـوْتُ مِنها فـكانَتْ *** نار التكلم قبلي
نودِيتُ منها كـفاحًا *** رُدّوا لَياليَ وَصْـلي
حـتى إذا مال تَـدانَى الـ *** ـميقاتُ في جَمْعِ شَملي
صارَتْ جِـباليّ دكًا *** مـنْ هيبَةِ المُـتَجَـلّي
ولاحَ سـرًّ خَفيٌ *** يدْرِيه مَنْ كَانَ مِثْلي
فالموتُ فِيهِ حياتي *** وفي حَياتيَ قَتلي
وصِرْتُ مُوسَى زَمَاني *** مذ صار بَعْضِيَ كُلي
قوله :" صارت جبالي دكًّا " أي : جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله :" مذ صار بعضي كلي "، يعني : إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المُفني للأواني. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي