إني أنا ربك قرئ بفتح الهمزة في إني وقرئ بالكسر١، ويكون بالفتح تفسيرا للنداء أي النداء أنا ربك، وعلى قراءة الكسر يكون النداء متضمنا معنى القول، و"إن" تكسر بعد القول.
وقد أكد ضمير المتكلم، وهو ياء المتكلم بتأكيدين أولهما :"إن" المؤكدة، وثانيهما الضمير الظاهر أنا المؤكد لياء المتكلم، وكان التأكيد لغرابة المؤكد في ذاته، ولغرابته على موسى عليه السلام، أما الغرابة في ذاتها فهو أنه من أغرب الغرائب أن يكلم الله أحدا من عباده، فقد يوحى إليه، أما أن يكلمه فذلك أمر غريب لم يكن به عهد حتى عند الأنبياء، وأما الغرابة بالنسبة لموسى فهو أنه خرج من مصر هاربا من مظالم فرعون وقهره، وفرضه على الناس عبادته حتى يقول لهم ما لكم من إله غيري، وقد خرج محتاجا يقول :... رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ٢٤ ( القصص )، ثم مأجور يزرع ويرعى الغنم، ولكنه يفاجأ بأن يخاطبه ربه من وراء حجاب، ولذا كان التأكيد في موضعه ليأنس بربه وتذهب عنه وحشة الاغتراب، وربك معناه الذي خلقك، وربك، وأقامك، وقام على رعايتك والعناية بك. و فاخلع نعيك "الفاء" فاء الإفصاح، وهي تفصح عن شرط مقدر، أو هي تفيد أن ما بعدها مترتب على ما قبلها، فإنه يترتب على أنه في الحضرة القدسية، أن يكون الأمر بخلع نعليه، وذلك الخلع للخشوع والخضوع، إذ هو في الحضرة الربانية، وهو بواد مقدس طاهر، وإن الناس إذا كانوا في حضرة ملوك الأرض خلعوا نعالهم، فكيف إذا كان موسى في حضرة ذي الجلال والإكرام والفضل والإنعام، وإن في هذا الفعل الحسي إشعار للنفس بأن تتفرغ لله تعالى، وأن يكون الله وحده هو شاغلها، فلا يشغلها شيء سواه، وقال تعالى : إنك بالواد المقدس المطهر من الأرجاس الحسية والمعنوية، وهو طوى ، وهو اسم لواد في هذه الأرض المقدسة، وحسبه شرفا أنه قد تجلى الحق فيه وكلم موسى تكليما.
زهرة التفاسير
أبو زهرة