ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

المقدس المطهر. طوى اسم للوادي. فتردى فتهلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ـ تسلية له صلى الله عليه وسلم بأن إخوانه من الأنبياء عليهم السلام قد عراهم من أممهم ما عراهم، وكانت العاقبة لهم.. وقيل : مسوق لترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في الائتساء بموسى عليه السلام في تحمل أعباء النبوة، والصبر على مقاساة الخطوب في تبليغ أحكام الرسالة.. ـ١ ؛ قال الراغب ؛ الحديث : كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته ومنامه، ويكون مصدرا بمعنى : التكلم اهـ. قال أهل المعاني : هو استفهام إثبات وإيجاب ؛ معناه : أليس قد أتاك ؟ ! قال الكلبي : لم يكن أتاه حديثه بعد، ثم أخبره ؛ إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى .
قال ابن عباس : هذا حين قضى الأجل وسار بأهله وهو مقبل من مدين يريد مصر، وكان قد أخطأ الطريق، وكان موسى عليه السلام رجلا غيورا يصحب الناس بالليل ويفارقهم بالنهار غيرة منه، لئلا يروا امرأته ؛ فأخطأ الرفقةـ لما سبق في علم الله تعالى ـ وكانت ليلة مظلمة ؛ وعن وهب بن منبه : استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله وغنمه، وولد له في الطريق غلام في ليلة شاتية باردة مثلجة، وقد حاد عن الطريق وتفرقت ماشيته، فقدح موسى النار فلم توره المقدحة شيئا، إذ أبصر بنار من بعيد على يسار الطريق، فقال لأهله : أقيموا بمكانكم وانتظروا، إني أبصرت نارا.
قال ابن عباس : فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عناب، فتوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة ولا نعمة الخضرة تغيران حسن ضوء النار.
وقال امكثوا ولم يقل : أقيموا ؛ لأن الإقامة تقتضي الدوام، والمكث ليس كذلك ؛ [ وقوله : لعلي آتيكم منها بقبس : لعلي أجيئكم من النار التي آنست ـ وجدت وأبصرت وظهرت لي ـ بشعلة، والقبس : هو النار في طرف العود أو القصبة ؛.. وإنما أراد موسى بقوله لأهله : لعلي آتيكم منها بقبس : لعلي آتيكم بذلك لتصطلوا به ـ ليدفئكم ـ.. وقوله : أو أجد على النار هدى : دلالة تدل على الطريق الذي أضللناه، إما من خبر هاد يهدينا إليه، وإما من بيان وعلم نتبينه به ونعرفه.. لعلي أجد من يدلني على الطريق، أو آتيكم بقبس لعلكم تصطلون ]٢.
فلما أتاها نودي يا موسى. إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى قال موسى لأهله ما علمنا، ثم اتجه نحو النار التي تراءت له وأنس بها فلما اقترب منها سمع النداء الإلهي يقول : يا موسى إني ربك فأفض بقدميك إلى الأرض لتباشر بهما بركة الوادي إذ كان مقدسا مطهرا ؛ فخلعهما فألقاهما ؛ وفي الآية الأخرى :{.. نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين )٣ ؛ ومما يقول الألوسي ـ رحمه الله ـ : فلما أتاها أسمع النداء : أن يا موسى إني أنا ربك.. اهـ.
وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى. إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري أسمع موسى النداء : أنا ربك ! وأنا اخترتك ـ رسول ـ كما جاء في الآية الكريمة الأخرى :{.. يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي.. )٤ ؛ وأمر أن يرهف سمعه لأنه سيلقى إليه بأمانات أشفقت منها السماوات والأرض والجبال، وأثقل ذلك تلقي وحي الله العظيم، إنني أنا المستحق للعبادة دون سواي، فداوم على عبادتي وأكمل أداء الصلاة على أتم وجه عند ذكرك لي ؛ وهكذا علم عليه السلام مقام الربوبية، والألوهية، والنبوة، ولب التكاليف الشرعية.
في الصحيحين عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك "، قيل في معنى قول الله ـ تبارك اسمه ـ : فاعبدني : وحدني وقم بعبادتي من غير شريك ؛ ويشهد لهذا القول ما جاء في الآية الكريمة :{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا.. )٥ ؛ وكذا ما جاء في آية مباركة :{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.. )٦ ؛ قال وهب : أدب الاستماع : سكون الجوارح وغض البصر والإصغاء بالسمع وحضور العقل والعزم على العمل، وذلك هو الاستمتاع كما يحب الله تعالى ؛ وهكذا قرنت الصلاة باليقين في مقام الربوبية والألوهية، وأفردت بالذكر مع اندراجها في العبادة المأمور بها في قول الحق جل ذكره : فاعبدني للتنبيه على عظم قدر الصلاة٧، وقد سمى الله تعالى الصلاة ذكرا في قوله جل وعلا :{.. فاسعوا إلى ذكر الله.. )٨ ؛ بل وسماها إيمانا في محكم قرآنه :{.. وما كان الله ليضيع إيمانكم.. )٩ : أي صلاتكم إلى جهة بيت المقدس قبل أن تحول القبلة إلى بيت الله الحرام.
إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى إن انتهاء هذه الحياة الدنيا، وبعث الخلائق في حياة أخرى، كائن لابد من وقوعه وتحققه، وآت لا شك فيه، أكاد أي أريد١٠ ؛ قال ابن عباس : لا أطلع عليها أحدا غيري ؛ وقال السدي : ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا قد أخفى الله تعالى عنه علم الساعة ؛ وقال قتادة : لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء والمرسلين، [ وهذا كقوله تعالى : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله.. )١١ وقال - سبحانه - :{.. ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة.. )١٢ ؛ أي ثقل علمها على أهل السماوات والأرض، وقوله سبحانه وتعالى :{ لتجزى كل نفس بما تسعى أي : أقيمها لا محالة لأجزي كل عامل بعمله :{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )١٣ ؛ و{.. إنما تجزون ما كنتم تعملون )١٤.
وقوله : فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها الآية : المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين١٥، أي : لا تتبعوا سبيل من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه، واتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر فتردى أي تهلك وتعطب، قال الله تعالى :{ وما يغني عنه ماله إذا تردى )١٦ ]١٧.
واختار أبو جعفر١٨ أن تأويل الآية : أكاد أخفيها من نفسي.. وأما وجه صحة القول في ذلك فهو أن الله تعالى ذكره خاطب بالقرآن العرب على ما يعرفونه من كلامهم وجرى به خطابهم بينهم، فلما كان معروفا في كلامهم أن يقول أحدهم إذا أراد المبالغة في الخبر عن إخفائه شيئا هو له مسر : قد كدت أن أخفي هذا الأمر عن نفسي من شدة استسراري به، ولو قدرت أخفيه عن نفسي أخفيته، خاطبهم على حسب ما قد جرى به استعمالهم في ذلك من الكلام بينهم.. ا هـ


فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير