ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

ولما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، أمره ربه أن يؤذن في الناس بالحج، كما قال :
وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِيا أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذالِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ
قلت : وعلى كل ضامر : حال معطوفة على حال، أي : يأتوك حال كونهم رجالاً وركبانًا. و يأتين : صفة لكل ضامر ؛ لأنه في معنى الجمع. وقرأ عبد الله :" يأتون "، صفة لرجال. و رجال : جمع راجل ؛ كقائم وقيام.
يقول الحقّ جل جلاله : لإبراهيم عليه السلام : وأذِّن في الناس بالحج أي : نادِ فيهم ليحجوا. رُوي : أنه عليه السلام صعد أبا قبيس، فقال : يا أيها الناس، حجوا بيت ربكم، فأسمعه الله تعالى الأرواح، فأجاب من قُدِّر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك. يأتوك إن أذنت رجالاً أي : مشاةً و ركبانًا على كل ضامر أي : بعير مهزول، أتعبه بُعدُ الشُقة، فهزّله، أو زاد هزاله. وقدّم الرجال على الركبان ؛ لفضيلة المشاة، كما ورد في الحديث يأتين تلك الضوامر بركبانها، من كل فج ؛ طريق عميق ؛ بعيد. قال محمد بن ياسين : قال لي شيخٌ في الطواف : من أين أنت ؟ فقلت : من خُراسان. فقال : كم بينك وبين البيت ؟ فقلت : مسيرة شهرين أو ثلاثة. قال : فأنتم جيران البيت. فقلتُ : وأنت من أين سَعيت ؟ فقال : من مسيرة خمس سنوات، وخرجت وأنا شاب، فاكتهلت. فقلت : هذه واللهِ هي الطاعة الجميلة، والمحبة الصادقة، فضحك. وقال :

زُرْ مَن هَوَيْتَ وإن شطتْ بِكَ الدارُ وحالَ من دُونه حُجُبٌ وأستارُ
لا يَمْنََعَنَّكَ بُعْدٌ عنْ زِيارته إنَّ المُحب لمنْ يهواه زوَّارُ
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قوله تعالى : ثم ليقضوا تفثهم ، قال القشيري : أي : حوائجهم، ويحققوا عهودهم، ويُوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فَمَنْ كان عقدُه التوبةَ ؛ فوفاؤه ألاَّ يرجعَ إلى العصيان، ومَنْ كان عَهْدُه اعتناقَ الطاعةِ، فَشَرْطُ وفائه ترك تقصيره، ومن كان عهدُه ألاَّ يرجع إلى طلب مقامٍ وتطلع إكرامٍ، فوفاؤه استقامته على الجملة، التي دخل عليها في هذه الطريق، بألا يرجع إلى استعجال نصيبٍ واقتضاءِ حظ.
هـ. قلت : ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال : ومَنْ عاهد الله بقلبه، ثم لا يفي بذلك، فهو من جملة قول الزور. هـ. وهو أيضًا ليس بمُعَظِّمٍ لحرمات الله، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير