ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

وفي هذا رد على مشركي مكة؛ لأنهم كانوا يَدّعون أنهم (١) على دين إبراهيم، فأخبر الله تعالى أنهم قد كَذَبُوا؛ لأن إبراهيم كان موحدًا قد أوحى (٢) إليه: أن لا تشرك باللهِ شيئًا.
وقال المبرد: معنى لا تشرك باللهِ شيئًا: وحد الله كأنه قيل له (٣): وحدني في هذا البيت.
قوله وَطَهِّرْ بَيْتِيَ قال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان (٤).
وقال عبيد بين عمير: من الآفات والريب (٥). وهذا مما سبق تفسيره في سورة البقرة (٦).
قوله: وَالْقَائِمِين يعني: المصلين (٧) الذين هم قيام في صلاتهم.
٢٧ - قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام (٨) وذكرنا ذلك عند قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ [الأعراف: ٤٤] وقوله: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ [يوسف: ٧٠] وقوله: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ [التوبة: ٣].

(١) (أنهم): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).
(٢) في (ظ): (وأوحي).
(٣) (له): ساقطة من (أ).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٣٤، والطبري ١٧/ ١٤٣.
(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٤٣.
(٦) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ [البقرة: ١٢٥].
(٧) في (ظ): (والمصلين).
(٨) انظر: (أذن) في: "تهذيب اللغة" للأزهري ١٥/ ١٧ - ١٨، "الصحاح" للجوهري ٥/ ٢٠٦٨، "لسان العرب" ١٣/ ٩، ١٢.

صفحة رقم 357

قال جماعة المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن (١) في الناس بالحج. قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. فصعد إبراهيم على أبي قبيس والمقام معه، ثم صاح: يا أيها الناس إن الله يدعوكم إلى حج بيته الحرام، ليثيبكم به الجنة ويجيركم (٢) من عذاب النار. نادى ما شاء الله من ذلك، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك. من (٣) أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين على قدر ذلك. فذلك (٤) قوله: يَأْتُوكَ رِجَالًا (٥).
هذا الذي ذكرنا هو (٦) قول جماعة المفسرين إلا الحسن، فإنه قال: هذا الأمر بالتاذين للنبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، ففعل ذلك حيث قال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج (٧).
وإنما قال: يَأْتُوكَ (٨) وإن كانوا يأتون الكعبة، لأن المنادي كان

(١) في (أ): (فأذن).
(٢) في (ظ): (يخرجكم)، وهو خطأ.
(٣) في (ظ): (فمن).
(٤) (فذلك): ساقطة من (أ).
(٥) ذكر نحو هذا ابن كثير في "تفسيره" ٣/ ٢١٦ ثم قال: هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف والله أعلم. أهـ. وانظر الطبري ١٧/ ١٤٤ - ١٤٥، و"الكشف والبيان" للثعلبي ٣/ ٥١ أ، و"الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٣٢ - ٣٥.
(٦) (هو): ساقطة من (ط).
(٧) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٥١ أوصدره بقوله: وزعم الحسن. أهـ. وهذا القول المروي عن الحسن خلاف الظاهر.
(٨) (رجالا): في (أ): (يأتوك رجالا).

صفحة رقم 358

إبراهيم فمن أتى الكعبة حاجًا فكأنه قد أتى إبراهيم عليه السلام، لأنه مجيب نداه. وفيه أيضا تشريف لإبراهيم حين خوطب بالإتيان.
ورجال: جمع راجل، مثل: صَاحِب وصِحَاب، وقَائِم (١) وقِيَام (٢). وبُدئ بذكرهم تشريفًا لهم لزيادة تعبهم.
وقوله: وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ أي: وركبانًا. والضمور: الهزال، ومثله الضُّمْرُ (٣)، ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا (٤).
قال ابن عباس: يريد الإبل وغيره (٥). قال الكلبي: لا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد ضمر.
وقوله يَأْتِينَ جمع الفعل لمعنى (٦) كل، ولو قال يأتي على اللفظ صح (٧).
قوله مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أي: طريق بعيد. قاله الجميع (٨).
وذكرنا الكلام في الفج عند قوله: ميه فِجَاجًا سُبُلًا [الأنبياء: ٣١]. والعميق: البعيد. قال الليث: الفج: المضرب البعيد (٩).

(١) وقائم: ساقطة من (أ).
(٢) من قوله: (ورجال) إلى هنا منقول عن "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٢٢ بنصه.
(٣) الضُّمْر: بالضم وبضمتين. و (ضمر) كنصر وكرم. قال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" ٢/ ٧٦ (ضمر).
(٤) "تهذيب اللغة" للأزهري ١٢/ ٣٦ مادة (ضمر) نقلا عن الليث.
(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٤٦ دون قوله (وغيره).
(٦) في (ظ): (بمعنى).
(٧) صح: ساقطة من (أ).
(٨) انظر الطبري ١٧/ ١٤٦، وابن كثير ٣/ ٢١٦، و"الدر المنثور" ٦/ ٣٦.
(٩) "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٩٠ (عمق) نقلا عن الليث. وانظر: "العين" ١/ ١٨٦ - ١٨٧ (عمق)، (معق).

صفحة رقم 359

وقال غيره (١): هو الشعب الواسع بين جبلين. قال (٢): ويقال: مَعِيق وعَميق، العميق في الطريق أكثر.
قال الفراء لغة أهل الحجاز عميق، وبنو تميم تقول (٣): معيق (٤).
وتقول العرب (٥):
بئر عميقة ومعيقة، [وقد] (٦) أعمقتها وأمعقتها، وقد عمُقَت ومَعُقَت مَعَاقَةَ، وإنها لبعيدة العَمْق والمَعْق (٧). والأمْعَاق والأعْمَاق: أطراف المفازة البعيدة (٨). قال رؤبة (٩):

(١) القائل: وقال غيره. هو الأزهري انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٢٩٥.
(٢) يعني الليث كما في "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٩٠ (عمق)، انظر: "العين" ١/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٣) تقول: ساقطة من (ظ).
(٤) "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٩٥ (عمق)، وليس هذا النص موجودًا في معاني الفراء انظر ٢/ ٢٢٤.
(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (والعرب تقول).
(٦) زيادة من "تهذيب اللغة" للأزهري ١٠/ ٢٩٠.
(٧) "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٩٠ (عمق) غير منسوب لأحد.
(٨) "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٩٠ (عمق) منسوبًا لليث. وهو في كتاب "العين" ١/ ١٨٧ (عمق) مع اختلاف يسير، ومعه بيت رؤية كاملا منسوبا إليه.
(٩) هذا شطر من أرجوزة لرؤبة في وصف مفازة، وهو في ديوانه ص ١٠٤، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣٨٠، والطبري ١٥/ ٨٨، و"تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٩٠ (عمق)، و"اللسان" ١٠/ ٢٧١ (عمق)، "خزانة الأدب" ١٠/ ٢٥ - ٢٦.
قال البغدادي في "الخزانة" ١٠/ ٢٥، ١/ ٨١: (وقاتم) مجرور بـ (رب) المحذوفة بعد الواو. وهو صفة لموصوف محذوف، أي: رب بلد قاتم. قال الأصمعي: القُتْمةُ: الغبُرة. وأسود قاتم أي رب بلد مُغْبَرّ. والأعمال: جمع عمق بفتح العين وضمها، وهو ما بعد من أطراف المفاوز. والخاوي: الخالي. و"المخترق" بفتح الراء: مكان الاختراق، من الخرق وهو الشق، استعمل في قطع المفازة.

صفحة رقم 360

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية