ولمّا كان الإحرام يُحرم لحوم الصيد، فربما يتوهم أن اللحوم كلها تجتنب، رفعَ ذلك الإبهام، فقال :
حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
ثم قال تعالى : حنفاءَ لله : مائلين عن كل دين زائغ إلى دين الحق، مخلصين لله، غير مشركين به شيئًا من الأشياء، ومن يُشرك بالله ، أظهر الاسم الجليل ؛ لإظهار كمال قبح الشرك، فكأنما خَرَّ : سقط من السماء إلى الأرض ؛ لأنه يسقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر. وقيل : هو إشارة إلى ما يكون له حين يصعد بروحه عند الموت، فتطرح من السماء إلى الأرض. قاله ابن البنا. فتخطفه الطير أي : تتناوله بسرعة، فالخطف والاختطاف : تناول الشيء بسرعة ؛ لأن الأهواء المردية كانت توزع أفكاره، أو تَهْوِي به الريحُ أي : تسقطه وتقذفه. والهوى : السقوط. في مكان سحيق : بعيد ؛ لأن الشيطان قد طرحه في الضلال والتحير الكبير. والله تعالى أعلم.
الإشارة : جعل الحقُّ تعالى شكرَ النعم أمرين : طهارة الباطن من شرك الميل إلى السِّوى، ولسانه من زور الدعوى، وهو الترامي على مراتب الرجال قبل التحقق بها، حنيفًا موحدًا، شاكرًا لأنعمه يجتبيه ربه، ويهديه إلى صراط مستقيم. ومن يشرك بالله ؛ بأن يُحب معه غيره، فقد سقط عن درجة القرب والتحقيق، فتخطفه طيور الحظوظ والشهوات، وتهوي به ريح الهوى، في مكان سحيق. والعياذ بالله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي