مفسرة، والخطاب لإبراهيم عليه السلام، وإنما فسرت تبوئة البيت بالنهي عن الإشراك، والأمر بالتطهير لأن التبوئة إنما قصدت لأجل العبادة التي تقتضي ذلك طَهِّرا بَيْتِيَ عام في التطهير من الكفر والمعاصي والأنجاس، وغير ذلك وَالْقائِمِينَ يعني المصلين.
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ خطاب لإبراهيم، وقيل: لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والأول هو الصحيح، روى أنه لما أمر بالأذان بالحج «١» : صعد على جبل أبي قبيس، ونادى: أيها الناس إن الله قد أمركم بحج هذا البيت فحجوا، فسمعه كل من يحج إلى يوم القيامة، وهم في أصلاب آبائهم. وأجابه في ذلك الوقت كل شيء من جماد وغيره. لبيك اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك يَأْتُوكَ رِجالًا جمع راجل أي ماشيا على رجليه وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ الضامر يراد به كل ما يركب من فرس وناقة وغير ذلك، وإنما وصفه بالضمور لأنه لا يصل إلى البيت إلا بعد ضموره، وقوله: وعلى كل ضامر حال معطوف على حال كأنه قال: رجالا وركبانا، واستدل بعضهم بتقديم الرجال في الآية على أن المشي إلى الحج أفضل من الركوب، واستدل بعضهم بسقوط ذكر البحر بهذه الآية، على أنه يسقط فرض الحج على من يحتاج إلى ركوب البحر يَأْتِينَ صفة لكل ضامر، لأنه في معنى الجمع مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أي طريق بعيد مَنافِعَ لَهُمْ أي بالتجارة، وقيل: أعمال الحج وثوابه، واللفظ أعم من ذلك وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ يعني التسمية عند ذبح البهائم ونحرها وفي الهدايا والضحايا، وقيل: يعني الذكر على الإطلاق، وإنما قال: اسم الله، لأن الذكر باللسان إنما يذكر لفظ الأسماء فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ هي عند مالك: يوم النحر وثانيه وثالثه خاصة لأن هذه هي أيام الضحايا عنده، ولم يجز ذبحها بالليل لقوله في أيام وقيل: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة ويوم النحر والثلاثة بعده، وقيل: عشر ذي الحجة خاصة، وأما الأيام المعدودات، فهي الثلاثة بعد يوم النحر، فيوم النحر من المعلومات لا من المعدودات واليومان بعده من المعلومات والمعدودات ورابع النحر في المعدودات لا من المعلومات فَكُلُوا مِنْها ندب أو إباحة ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا ويتصدق بالأكثر الْبائِسَ الذي أصابه البؤس وقيل: هو المتكفف وقيل: الذي يظهر عليه أثر الجوع
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ التفث في اللغة الوسخ، فالمعنى ليقضوا إزالة تفثهم بقص الأظفار والاستحداد وسائر خصال الفطرة والتنظف بعد أن يحلّوا من الحج، وقيل: التفث أعمال الحج، وقرئ بكسر «٢» اللام وإسكانها، وهي لام الأمر وكذلك وليّوفوا وليطوّفوا.
(٢). ذكر ابن خالويه ذلك في كتابه الحجة وأن الكسر مع ثم أكثر. وقرأ بالكسر أبو عمرو ورش وابن عامر وقرأ الباقون بسكون اللام. [.....]
وَلْيَطَّوَّفُوا المراد هنا طواف الإفاضة عند جميع المفسرين وهو الطواف الواجب بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ أي القديم، لأنه أول بيت وضع للناس وقيل: العتيق الكريم، كقولهم:
فرس عتيق، وقيل أعتق من الجبابرة أي منع منهم، وقيل: العتيق هو الذي لم يملكه أحد قط ذلِكَ هنا وفي الموضع الثاني مرفوع على تقدير: الأمر ذلك كما يقدم الكاتب جملة من كتابه، ثم يقول هذا وقد كان كذا، وأجاز بعضهم الوقف على قوله: ذلك في ثلاثة مواضع من هذه السورة وهي هذا و «ذلك ومن يعظم شعائر الله» و «ذلك ومن يشرك بالله» لأنها جملة مستقلة أو هو خبر ابتداء مضمر، والأحسن وصلها بما بعدها عند شيخنا أبي جعفر بن الزبير، لأن ما بعدها ليس كلاما أجنبيا، ومثلها «ذلك ومن عاقب» و «ذلكم فذوقوه» في الأنفال، و «هذا وإن للطاغين» في ص: ٥٥ حُرُماتِ اللَّهِ جمع حرمة، وهو ما لا يحل هتكه من أحكام الشريعة، فيحتمل أن يكون هنا على العموم، أو يكون خاصا بما يتعلق بالحج لأن الآية فيه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ أي التعظيم للحرمات خير إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني ما حرمه في غير هذا الموضع كالميتة الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ من لبيان الجنس كأنه قال: الرجس الذي هو الأوثان، والمراد النهي عن عبادتها أو عن الذبح تقربا إليها، كما كانت العرب تفعل قَوْلَ الزُّورِ أي الكذب، وقيل: شهادة الزور.
فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ الآية، تمثيل للمشرك بمن أهلك نفسه أشدّ الهلاك سَحِيقٍ أي بعيد شَعائِرَ اللَّهِ قيل: هي الهدايا في الحج وتعظيمها بأن تختار سمانا عظاما غالية الأثمان، وقيل: مواضع الحج، كعرفات ومنى والمزدلفة، وتعظيمها إجلالها وتوقيرها والقصد إليها، وقيل: الشعائر أمور الدين على الإطلاق، وتعظيمها القيام بها وإجلالها فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ الضمير عائد على الفعلة التي يتضمنها الكلام وهي مصدر يعظم، وقال الزمخشري: التقدير: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات لَكُمْ فِيها مَنافِعُ من قال: إن شعائر الله هي الهدايا، فالمنافع بها شرب لبنها، وركوبها لمن اضطر إليها، والأجل المسمى نحرها. ومن قال إن شعائر الله مواضع الحج، فالمنافع التجارة فيها أو الأجر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ من قال: إن شعائر الله الهدايا فمحلها موضع نحرها وهي منى ومكة، وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم وهو المقصود بالهدي، وثم على هذا القول ليست للترتيب في
التسهيل لعلوم التنزيل
أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي
عبد الله الخالدي