ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦ

وذكر أبو إسحاق قولا آخر، فقال: الآية تدل على أنهم نُهُوا أن يُحرِّمُوا ما حرم أصحابُ الأوثان نحو قولهم مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا [الأنعام: ١٣٩] ونحو تحريمهم (١) البحيرة والسائبة (٢)، فأعلمهم الله عز وجل أن الأنعام محللة إلا ما حرم منها، ونهاهم الله عن قول الزور وهو أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام ليفتروا على الله كذبًا (٣) (٤).
٣١ - وقوله: حُنَفَاءَ قال ابن عباس: يريد موحدين. وهذا كقول من قال: مسلمين مستقيمين على الدين (٥). والحنيف: المائل عن الأديان كلهاه

= وروى هذا الأثر عنه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل ١٥٦ أ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٧/ ٢٥٩، والطبري في "تفسيره" ١٧/ ١٥٤.
(١) تصحفت في المطبوع من "معاني الزجاج" إلى: نحرهم.
(٢) البحيرة: هي الناقة التي كان أهل الجاهلية يشقون في أذنها شقًا، والبحر في كلام العرب: الشق.
والسائبة: هي المسيبة المُخَلاة. وكان أهل الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه، فيحرم الانفاع به على نفسه، أو يجعله لبعض آلهته.
وبين أهل التفسير خلاف في صفة البحيرة والسائبة وكيفية عمل أهل الجاهلية فيها والسبب الذي من أجله كانوا يفعلون ذلك.
انظر: "تفسير الطبري" ١١/ ١١٦ - ١٣٤، "تهذيب اللغة" للأزهري ٥/ ٣٧ - ٣٨ (بحر)، ١٣/ ٩٩ (سيب)، تفسير ابن كثير ٢/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٣) في (أ): (الكذب)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في معاني الزجاج.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٢٥. قال النحاس في "معاني القرآن" ٤/ ٤٦ - بعد ذكره للأقوال في معنى الزور: والمعاني متقاربة، وكل كذب وزور، وأعظم ذلك الشرك.
ثم قال: والذي يوجب حقيقة المعنى. فذكر قول أبي إسحاق من غير نسبة.
(٥) ذكر الماوردي في "النكت" ٤/ ٢٣ عن الضحاك قال: مسلمين لله.

صفحة رقم 385

إلى دين الإسلام (١).
وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: تأويله: مسلمين لا يميلون إلى دين غير (٢) الإسلام (٣).
وقال مجاهد: حُنَفَاءَ (٤) متبعين (٥). والحنيفية عند مجاهد إتباع الحق. وقال السدي والحسن: حَجَّاجًا (٦).
والحنيفية عند العرب: حج البيت (٧). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [البقرة: ١٣٥].
قوله: غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ قال الكلبي: غير مشركين بالله في التلبية،

(١) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري ٥/ ١١٠ (حنف).
(٢) دين: زيادة من (أ).
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٢٥.
(٤) في (أ): (حنيفًا)، وهو خطأ.
(٥) رواه الطبري ٣/ ١٠٧ (شاكر)، عند قوله: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [البقرة: ١٣٥].
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٤٦ وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٦) روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٩٦ - ٣٩٧ عن ابن عباس في قوله (حنيفا) يقول: حاجا. ثم قال ابن أبي حاتم: وروى الحسن، والضحاك، وعطية، والسدي، نحو ذلك.
وروى الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٠٤، ١٠٦ عن كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن الحنيفية قال: هو حج هذا البيت.
وروى الأزهري في "تهذيب اللغة" ٥/ ١١٠ بإسناده عن مرزوق قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (حنفاء لله غير مشركين به) قال: حجاجًا. وكذلك قال السدي قال. حنفاء: حجاحًا.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري ٥/ ١١٠ (حنف)، "لسان العرب" ٩/ ٥٧ (حنف).

صفحة رقم 386

وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم بقولهم (١): إلا شريك هو لك.
وقال عبد الله بن القاسم (٢) مولى أبي بكر -رضي الله عنه-: كان الناس يحجون وهم مشركون، وكانوا يُسمون الحنفاء، لأن العرب تسمى الحاج: الحنيف، فلما أسلموا نزلت حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (٣).
أي: كما أنهم كانوا حنفاء مشركين فأنتم حنفاء غير مشركين بالله.
ثم ضرب لمن أشرك مثلا، فقال: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ [أي سقط] (٤) مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ، إذا أخذ بسرعة (٥). وخَطَفَ يَخْطِفُ أيضًا (٦). وذكرنا الكلام فيه عند قوله يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ [البقرة: ٢٠].
وقرأ نافع (فتخطِّفه الطير) بالتشديد (٧). وإنما هو فتتخطِفه فحذف تاء

(١) في (ظ): (يقولون).
(٢) هو: عبد الله بن القاسم، التيمي، البَصري، مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. رأى عمر، وروى عن جابر وابن عباس وغيرهما. وثقه ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول. وقال ابن حجر: مقبول.
"التاريخ الكبير" للبخاري ٥/ ١٧٣، "الثقات" لابن حبان ٥/ ٤٦، "الكاشف" للذهبي ٢/ ١١٨، "تهذيب التهذيب" ٥/ ٣٥٩، "تقريب التهذيب" ١/ ٤٤١.
(٣) رواه الطبري ٣/ ١٠٦ (شاكر) بنحوه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٤٥ بنحوه وعزاه لابن أبي حاتم.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٢٥.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" الأزهري ٧/ ٢٤١ - ٢٤٣ (خطف).
(٧) "السبعة" ص ٤٣٦، "التبصرة" ص ٢٦٦، "التيسير" ص ١٥٧. وقرأ الباقون بإسكان الخاء وتخفيف الطاء.

صفحة رقم 387

التّفعّل (١)، وكلتا القراءتين حكايته حال تكون (٢). قال ابن عباس: يريد تخطف لحمه.
وقوله: أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ أي: تسقطه. يقال: هوى إذا سقط من أعلى إلى أسفل (٣). وقد مر (٤).
قوله فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ قال ابن عباس وغيره: بعيد (٥).
والسحق: البُعد. يقال: سحقًا له وبعدًا، وأسحقه الله سحقًا، وإنه لسحيق: بعيد (٦). والفعل منه (٧) سَحُقَ يَسْحَقَ (٨).
قال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به (٩) في بعده من الهدى

(١) هكذا في (أ): وهو الموافق لما في "الحجة" للفارسي. وفي (ظ): (الفعل)، وفي (د)، (ع): (التفعيل).
(٢) هذا كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" ٥/ ٢٧٦.
وقال أبو منصور الأزهري في "علل القراءات" ٢/ ٤٢٤: من قرأ (فتخطفه) والأصل (فتختطفه) فأدغم التاء في الطاء، وألقيت حركة التاء على الخاء ففتحت. وبنحوه قال ابن خالويه في "إعراب القراءات السبع وعللها" ٢/ ٧٧.
وانظر أيضًا: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص ٤٧٦، "الكشف" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١١٩.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري ٦/ ٤٨٨ (هو ى).
(٤) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه: ٨١].
(٥) انظر الطبري ١٧/ ١٥٥، و"الدر المنثور" ٦/ ٤٦.
(٦) "تهذيب اللغة" للأزهري ٤/ ٢٤ (سحق) عن الليث مع اختلاف يسير. وانظر:
"العين" ٣/ ٣٧ (سحق).
(٧) في (أ): (به).
(٨) قال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" ٣/ ٢٤٤: والسحق -بالضم وبضمتين-: البعد، وقد سَحُق -ككرم وعلم- سُحقا بالضم.
(٩) (به): ساقطة من (ظ).

صفحة رقم 388

وهلاكه (١).
وذكر أهل المعاني قول قتادة، فقال الزجاج: هذا مثل ضربه الله للكافر في بُعده من الحق، فأعلم أن بُعد من أشرك به من الحق كبعد من خر من السماء، فذهبت به الطير أو هوت به الريح في مكان بعيد (٢). ونحو هذا قال ابن قتيبة (٣).
وقال غيره: شبه حال المشرك (٤) بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه في المكان السحيق، كذلك الكافر لا يملك لنفسه شيئًا ولا دفع ضر يوم القيامة حتى يقع في النار، فهو هالك لا محالة (٥).
وقال أبو علي الفارسي: المعنى في هذا (٦) أنه قوبل به قوله فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ [البقرة: ٢٥٦] فكما كان المؤمن في إيمانه متمسكًا بالعروة الوثقى] (٧)،

(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٣٨، والطبري ١٧/ ١٥٥، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٤٦ وعزاه لعبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٢٥.
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٩٣.
(٤) في (أ)، (د)، (ع): (الشرك).
(٥) ذكر الثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٥٢ أنحو هذا المعنى باختصار، ونسبه إلى أهل المعاني. وذكره البغوي ٥/ ٣٨٤ إلى قوله: المكان السحيق. ولم ينسبه لأحد.
(٦) في (ظ): (هذه). وفي (ع): (ذلك).
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).

صفحة رقم 389

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية