قوله تعالى١ : ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله الآية. إعراب «ذَلِك » كإعراب «ذَلِكَ » المتقدم٢ وتقدم تفسير الشعيرة واشتقاقها في المائدة٣. والمعنى : ذلك الذي ذكرت من اجتناب الرجس، وقول الزور٤، وتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب.
قال ابن عباس٥ : شعائر الله البُدْن والهدايا. وأصلها من الإشعار وهو إعلامها لتعرف أنها هَدْي، وتعظيمها استحسانها واستسمانها. وقيل : شعائر الله أعلام دينه٦.
وقيل : مناسك الحج.
قوله : فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب . أي : فإن تعظيمها٧ من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى ( من ) ليرتبط به٨، وإنما ذكرت القلوب٩، لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه وقلبه خال عنها، فلهذا لا يكون مجدّاً في الطاعات، وأما المخلص الذي تمكنت التقوى من قلبه فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص ١٠.
واعلم أن الضمير في قوله : فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب فيه وجهان :
أحدهما : أنه ضمير الشعائر على حذف مضافه، أي : فإن تعظيمها من تقوى القلوب.
والثاني : أنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل قبله١١، أي : فإن التعظيم من تقوى القلوب والعائد على اسم الشرط من هذه الجملة الجزائية مقدر تقديره : فإنها من تقوى القلوب منهم. ومن جوَّز إقامة ( أل ) ١٢ مقام الضمير - وهم الكوفيون -، أجاز ذلك هنا، والتقدير : من تقوى قلوبهم١٣ كقوله : فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى ١٤ [ النازعات : ٤١ ]. والعامة على خفض «القلوب »، وقرئ برفعها، فاعلة للمصدر قبلها وهو «تقوى »١٥.
٢ في قوله تعالى: ذلك ومن يعظم حرمات الله من الآية (٣٠) من السورة نفسها..
٣ عند قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام [المائدة: ٢]. وذكر هناك: قال ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج، وقال أبو عبيدة: شعائر الله هي الهدايا، ثم عطف عليه الهدايا، والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه، والشعائر جمع، والأكثرون على أنه جمع شعيرة، وقال ابن فارس: واحدها شعارة، والشعيرة: فعيلة بمعنى مفعولة، والشعيرة المعلمة، والإشعار الإعلام، وكل شيء علم فقد شعر، وهو هنا أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم، فيكون ذلك علامة أنها هدي... انظر اللباب ٣/٢٠٧..
٤ انظر البغوي ٥/٥٨١..
٥ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٨١ – ٥٨٢..
٦ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٥٨١ – ٥٨٢..
٧ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣/٣٣ – ٣٤..
٨ في الأصل بعد قوله: ليرتبط به: إلى من. وفي ب: قال الزمخشري: قال أبو حيان: وما قدره عامر من راجع من الضمير من الجزاء إلى (من)، ألا ترى أن قوله: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب. ليس في شيء منه ضمير يرجع من الجزاء إلى "من" يربطه، وإصلاحه أن يقول: فإن تعظيمها منه، فالضمير في منه عائد على (من). البحر المحيط ٦/٣٦٨..
٩ في ب: المقلوب. وهو تحريف..
١٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٣/ ٣٣-٣٤..
١١ في الأصل: قلبه. وهو تحريف..
١٢ في الأصل: إلى. وهو تحريف..
١٣ مذهب الكوفيين وجماعة من البصريين إقامة (ال) مقام الضمير، وجعلوا منه قوله تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى [النازعات: ٤١، ٤٢] الأصل: مأواه، ومنع ذلك بعض البصريين، وقالوا: التقدير: هي المأوى له. انظر التبيان ٢/٩٤١، المغني ٢/٥٠١ – ٥٠٢، الأشموني ١/١٩٥ – ١٩٦..
١٤ [النازعات: ٤١]..
١٥ تفسير ابن عطية ١٠/٢٧٦، البحر المحيط ٦/٣٦٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود