وبعدما أذن الله لعباده المؤمنين بالقتال، دفاعا عن عقيدتهم وحريتهم وكيانهم الخاص، ومقاومة للظلم والإلحاد، وبعدما حدد كتاب الله مبادئ الدفاع المشروع، وفائدة هذا الدفاع، وضرورة الالتجاء إليه في معترك الحياة، لحفظ التوازن والحد من الطغيان، حول مجرى الحديث إلى الكلام عن الغاية الأولى والأخيرة التي يجب أن يتوخاها المؤمنون من جهادهم ودفاعهم، بمجرد تمكنهم في الأرض وانتصارهم، فقال تعالى : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر مبينا بذلك المبادئ الأساسية التي يجب أن ترعاها الدولة الإسلامية، ومبرزا الطابع الخاص الذي يجب ان يتميز به المجتمع الإسلامي، وأول هذه المبادئ : إقامة الصلاة وربط الصلة بالله، بحيث يكون المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية في انسجام تام مع التوجه الإلهي العام، فلا تمرد على الله ولا عصيان، ولا غفلة ولا طغيان، ولكن طاعة وإذعان، ويقظة وإيمان، والصلاة هي عماد الدين، والحق الأول من حقوق الله على المؤمنين.
وثاني هذه المبادئ : إيتاء الزكاة، وتوثيق رباط المحبة والتكافل بين عباد الله، بحيث يكون المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية على درجة كبيرة من الإنسانية والتعاطف والتراحم والتواصل، بدلا من الأنانية والتقاطع والتهارش والتقاتل، شعارهما " نفسي وأخي، بل أخي قبل نفسي، لا نفسي نفسي "، والزكاة هي دعامة الإخاء والوئام بين الإخوة المؤمنين، والحق الأول من حقوق المعسرين على الموسرين.
وثالث هذا المبادئ : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث يكون المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية على تمام الوعي بخطورة المسؤولية الملقاة على عاتقهما في صيانة الإسلام من كل ما هو دخيل، والحفاظ عليه شكلا وموضوعا، مظهرا ومخبرا، عرضا وجوهرا، حماية للكيان الإسلامي من الفناء، ووقوفا في وجه الدسائس والمؤامرات التي تحاك ضده في الخفاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى نصرة الصلاح والقيام بالإصلاح، ومحاربة الفساد والحيلولة دون الإفساد هو الواجب الأول من واجبات الدولة الإسلامية، وهو الضامن الأكبر لسلامة الدين، وسلامة المجتمع، وسلامة الدولة.
وواضح من هذه الآية الكريمة أن " تمكين " المسلمين في الأرض مشروط بهذه الشروط كلها وبما تفرع منها، فمتى توافرت كان لهم النصر والتمكين، ومتى أهملت أو أهمل بعضها حل بساحتهم الخذلان والتفكك إلى حين، ولله عاقبة الأمور .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري