أذن: رخِّص. صوامع: واحدها صومعة، وهي معابد الرهبان خارج المدن. وبيَع: واحدتها: بيعة، وهي الكنيسة. وصلوات: معابد إليهود. ومساجد: معابد المسلمين.
إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ.
قراءات
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ان الله يدفع بدون ألف.
إن الله يدفع عن عباده المؤمنين شرَّ المعتدين، ويحميهم وينصرُهم بإيمانهم. وفي الآية تمهيد لما في الآية التي بعدها من الإذن في القتال، فهو يدافع عن الذين آمنوا لأنه يدافع عن دِينه، ولا يحب الخائنين لأماناتهم، المبالغين في كفرهم بربّهم.
وكان المؤمنون وهم في مكة يسألون النبي ﷺ ان يطلب من الله الاذن بالقتال، وكان المشركون يؤذونهم ويظلمونهم، فيأتون إلى النبيّ الكريم بين مضروبٍ ومشجوج في رأسه، ويتظلمون إليه. فيقول لهم: «صبراً صبرا، فإني لم أوذَن بالقتال، حتى هاجر وانزل الله تعالى هذه الآية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.
وهذه، كما يقول العلماء، أولُ آيةٍ نزلت بالإذن بالقتال بعد ما نُهي عنه في نيّف وسبعين آية كما رواه» الحاكم «في: المستدرَك، عن ابن عباس.
لقد أُبيح للمؤمنين ان يقاتِلوا المشركين دفاعاً عن أنفسِهم وأموالهم ووطنهم، وان يردّوا اعتداءهم عليهم، بسب ما نالهم من ظلم صبروا عليه طويلا.
ثم وعدهم الله بالنصر ودفع أذى المشركين عنهم: وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.
سبق ما ذكره القرآن الكريم في هذه الآية من الاذن بالقتال، جميع القوانين الوضعية، وهو ان الدفاع عن النفس والمال والوطن والعقيدة - أمر مشروع مهما كانت نتائجه، وان المُدافع عن نفسه وماله ووطنه وعقيدته، لا يؤاخذ أمام الله وأمام العدالة ولو قتل نفساً وأزهق أرواحا. وقد قررت الآية ان المسلمين مأذون لهم في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتُدي عليهم.
والآن وقد اعتدى علينا العدو الإسرائيلي وحلفاؤه الغربيون، وسلب أ ضنا، فان الله تعالى أذِن لنا بالدفاع عن مالنا وانفسنا ووطننا، فيجيب علينا ان نعدّ العدة ونتسلح بالإيمان الصادق ونعمل على استرداد مقدساتنا، ولا يستطيع أحدٌ أن يلومنا اذا فعلنا ذلك، بل إننا مقصّرون في حق ديننا وظننا اذا لم نفعل ذلك ومؤاخذون عند الله والرسول.
روى احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس: قال لما أُخرج النبيّ ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيَّهم، إنا لله وإنا اليه راجعون، ليهلكنَّ القوم. فأنزل الله تعالى {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ.... قال ابو بكر: فعرفتُ انه سيكون قتال.
قراءات
قرأ نافع وحفص: اذن للذين قاتلون بضم الهمزة من أُذن وفتح التاء من يقاتلون.
وقرأ ابن كثيرة وحمزة والكسائي: أذن بفتح الهمزة، للذين قاتلون بكسر التاء.
ثم وصف الله هؤلاء المؤمنين بقوله:
الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله.
الذين ظَلمهم المشركون وأرغموهم على ترك مكة والهجرة منها بغير حق، لأنهم آمنوا بالله وحده.
وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.
ولولا ان سخّر الله للحق أعواناً يردعون الطغاة بالقوة لسادات الفوضى وعمَّ الفساد في الأرض، وأخمدوا صوت الحق، وهدموا صوامع الرهبان وكنائس النصارى، ومعابد اليهود، ومساجد المسلمين التي يُذكر فيها اسم الله كثيرا.
وقد تعهّد الله بأن ينصر كلَّ من نَصَرَ دينه، ووعدُ الله لا يتخلف، ان الله قوي على تنفيذ ما يريد، عزيز لا يغلبه غالب.
ثم وصف الله الذين أُخرجوا من ديارهم بقوله:
الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة وَأَمَرُواْ بالمعروف وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور
هؤلاء المؤمنون الذي أُخرجوا من ديارهم هم الذين ان قوَّينا سلطانهم في الارض، حافظوا على صلواتهم، وعلى صِلتهم بالله، وأدوا الزكاة وأمروا بالمعروف، وحثّوا على كل خير، ونهوا عن كل ما فيه شر، ولله وحده مصيرُ الأمور، وإليه المرجع.
قراءات
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ان الله يدفع، ولولا دفع الله بدون الف، وقرأ نافع ان الله يدافع ولولا دفاع الله، وقرأ نافع وابن كثير: لهدمت صوامع بدون تشديد الدال.
تيسير التفسير
إبراهيم القطان