ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

مكناهم وطناهم ونصرناهم وأظهرناهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ـ حين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها، وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام، أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد، ويمكن من الحج وزيارة البيت ـ١، إن الله يدافع عن الذين آمنوا الله الملك الحق المبين يحفظ المؤمنين من تبييت أعداء الدين ؛ إن الله لا يحب كل خوان كفور قال مقاتل : أقروا بالصانع وعبدوا غيره، فأي خيانة أعظم من هذا ؟ ! [ وقيل : المعنى : يدفع عن المؤمنين بأن يديم توفيقهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، فلا تقدر الكفار على إمالتهم عن دينهم ؛ وإن جرى إكراههم فيعصمهم حتى لا يرتدوا بقلوبهم ؛ وقيل : يدفع عن المؤمنين بإعلائهم بالحجة ؛ ثم قتل كافر مؤمنا نادر، وإن٢ فيدفع الله عن ذلك المؤمن بأن يقبضه إلى رحمته ؛ أذن للذين يقاتلون ... أي يدفع عنهم غوائل الكفار بأن يبيح لهم القتال.. ٣ ] ؛ قال ابن العربي : قال علماؤنا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحل له الدماء ؛ إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل.. لإقامة حجة الله تعالى عليهم، ووفاء بوعده الذي امتن به بفضله في قوله :... وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )٤ ؛ فاستمر الناس في الطغيان، وما استدلوا بواضح البرهان، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم عن بلادهم ؛ فمنهم من فر إلى أرض الحبشة ؛ ومنهم من خرج إلى المدينة ؛ ومنهم من صبر على الأذى ؛ فلما عتت قريش على الله تعالى وردوا أمره وكذبوا نبيه عليه السلام، وعذبوا من آمن به ووحده وعبده، وصدق نبيه عليه السلام واعتصم بدينه، أذن الله لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم ؛ وأنزل :{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ـ إلى قوله الأمور ؛ [ والمأذون فيه القتال بدليل قوله للذين يقاتلون فكأن التقدير : أذن للذين يقاتلون أن يقاتلوا من قاتلهم... بأنهم ظلموا أي بسبب كونهم مظلومين ؛ وهي أول مرة آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية ]٥ ؛ ومما جاء في تفسير القرآن العظيم : قوله : وإن الله على نصرهم لقدير أي : هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، كما قال :{.. ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم )٦ ؛ وقال تعالى :{ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين )٧ ؛ وقال :{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين )٨ ؛ وقال :{ ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم )٩ ؛... ولهذا قال ابن عباس في قوله : وإن الله على نصرهم لقدير وقد فعل، وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا، فلو أمر المسلمون وهو أقل بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نيفا وثمانين قالوا : يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي، يعنون أهل منى، نقتلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني لم أومر بهذا "، فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، وهموا بقتله وشردوا أصحابه، ولما استقروا بالمدينة وصارت لهم دار إسلام، ومعقلا يلجأون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك.. قال ابن عباس : أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق يعني محمدا وأصحابه، إلا أن يقولوا ربنا الله أي ما كان لهم إساءة ولا ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له، كما قال تعالى :{.. يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم.. )١٠ ؛ وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود :{ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد )١١ ؛ وإن الله على نصرهم لقدير عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار أهله، كما قال سبحانه : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.. )١٢ ؛ ثم وصف الموعودين بالنصر، فقال جل ثناؤه :{ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله الذين أخرجهم أعدائي من ديارهم بقولهم ربنا الله، فما يحق لهم أن يطردوهم، ولكن لقولهم ربنا الله دون سواه طردوهم ؛ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ، والصوامع : معابد النصارى ؛ والبيع كنائس اليهود أو النصارى ؛ والصلوات : الكنائس ؛ والمساجد أماكن صلاة المسلمين ؛ ـ أخبر أنه لولا دفعه ـ الناس بعضهم ببعض لهدم ما ذكر ؛ ومن دفعه ـ تعالى ذكره ـ بعضهم ببعض : كفه المشركين بالمسلمين عن ذلك ؛ ومنه كفه ببعضهم التظالم كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم...... وذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالموا فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيعهم وما سمى جل ثناؤه ؛ ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عنى من ذلك بعضا دون بعض ولا جاء بأن ذلك خبر يجب التسليم له ؛ فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بينته قبل، لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا ـ١٣ ؛ وذهب خصيف إلى أن القصد بهذه الأسماء تقسيم متعبدات الأمم ؛ فالصوامع للرهبان، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين ؛ قال ابن عطية : والأظهر أنها قصد بها المبالغة في ذكر المتعبدات ؛ وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها، إلا البيعة فإنها مختصة بالنصارى في لغة العرب ؛ ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر ؛ ولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا أهل الإشراك ؛ لأن هؤلاء ليس لهم ما يجب حمايته...
وقال النحاس : يذكر فيها اسم الله الذي يجب في كلام العرب على حقيقة النظر أن يكون : يذكر فيها اسم الله عائدا على المساجد لا على غيرها ؛ لأن الضمير يليها، ويجوز أن يعود على صوامع وما بعدها ؛ ويكون المعنى وقت شرائعهم وإقامتهم الحق ؛ [ فإن قيل : لم قدمت المساجد أهل الذمة ومصلياتهم على مساجد المسلمين ؟ قيل : لأنها أقدم بناء ؛ وقيل : لقربها من الهدم وقرب المساجد من الذكر، كما أخبر السابق في قوله :.. فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات١٤.. ) { ولينصرن الله من ينصره من ينصر دين الله تعالى ورسوله، فإن له وعدا من الله الحق مقسما عليه مؤكدا أن ينصره مولانا القادر على ما يشاء، العزيز، الجليل، والممتنع الذي لا يرام، يغلب ولا يغلب ]١٥ ؛ ومن أوصاف الذين أقسم الملك الكبير المتعال أن ينصرهم أنهم إذا وطنهم ربهم وأظهرهم، ونصرهم على عدوهم، وأيدهم بالسلطنة ونفاذ أمرهم، فإنهم يقيمون فرائض الدين من صلاة١٦ وزكاة وأمر بالمعروف١٧ ونهي عن المنكر، لا يلهيهم عن ذلك ما فتح عليهم من أمر الدنيا، ولا يطغيهم ما مكنوا فيه ؛ ولله عاقبة الأمور مرجعها مصيرها إلى حكمه وتقديره، وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة


فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير