ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
بتسليط المؤمنين على الكافرين في كل زمان لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ للرهبانية وَبِيَعٌ للنصارى وَصَلَواتٌ أي كنائس لليهود وَمَساجِدُ للمسلمين يُذْكَرُ فِيهَا أي في هذه المواضع الأربعة اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً.
قال الزجاج: أي ولولا دفاع الله أهل الشرك بالمؤمنين بالإذن لهم في جهادهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا مواضع عبادات المؤمنين منهم فهدم في شرع كل نبي المكان الذي يصلى فيه، فلولا ذلك الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه. وهي المسماة بالصلوات، وهي كلمة معربة أصلها بالعبرانية: «صلوثا» بفتح الصاد والثاء المثلثة والقصر وبه قرئ في الشواذ. ومعناه في لغتهم «مصلى»، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع وهما للنصارى. لكن الصوامع هي التي يبنونها في الصحارى والبيع هي التي يبنونها في البلدان، وفي زمن نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم المساجد.
وقرأ نافع «دفاع» بكسر الدال وفتح الفاء مع الألف وقرأ نافع وابن كثير «لهدمت» بتخفيف الدال وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ أي من ينصر دينه وأولياءه بأن يظفرهم بأعدائهم بالتجلد في القتال، وبإيضاح الأدلة وبالإعانة على الطاعات إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على هذه النصرة التي وعدها للمؤمنين عَزِيزٌ (٤٠) أي لا يمنعه شيء وقد أنجز الله وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب، وأكاسرة العجم وقياصرتهم، وأورثهم، أرضهم وديارهم.
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ أي المأذون لهم في القتال المخرجون من ديارهم هم الذين إن أعطيناهم السلطنة ونفاذ القول على الخلق أتوا بالأمور الأربعة هي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا دليل على صحة إمامة الخلفاء الأربعة لأن الله تعالى لم يعط نفاذ الأمر غيرهم من المهاجرين. أما الأنصار فلم يخرجوا من ديارهم وفي هذه الآية إخبار من الله تعالى بالغيب عما تكون عليه سيرة المهاجرين إن أعطاهم السلطنة على الأرض وثناء منه تعالى عليهم قبل إحداثهم الخير وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وفي هذه إشارة إلى حضور سلطنة من أخرجهم كفار مكة ووقوع ملكه مع السيرة العادلة- وهم الخلفاء الراشدون- ثم إن الأمور ترجع إلى الله تعالى في العاقبة فإنه تعالى هو الذي لا يزول ملكه أبدا، وفي هذا تأكيد للوعد بإعلاء دينه تعالى وإظهار أوليائه وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى أي وإن تحزن يا أشرف الخلق على تكذيب قومك إياك فأنت يا أكرم الرسل لست بأوحدي في التكذيب، فتسل بهم فإنه قد كذب سائر الأمم أنبياءهم قبل تكذيب قومك إياك. كذب قوم نوح الذين هم من أشد الناس نوحا عليه السلام، وكذب قوم هود الذين هم ذوو الأبدان الشداد هودا عليه السلام، وكذب قوم صالح الذين هم أولوا الأبنية الطوال في الجبال والسهول صالحا

صفحة رقم 75

عليه السلام، وكذب قوم إبراهيم المتكبرون إبراهيم عليه السلام، وكذب قوم لوط الأنجاس لوطا عليه السلام، وكذب قوم شعيب أرباب الأموال المجموعة شعيبا عليه السلام، وكذب أهل مصر وهم القبط موسى عليه السلام، فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ أي أمهلتهم حتى انصرمت حبال آجالهم ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بعذاب الاستئصال فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) أي فانظر يا سيد الرسل كيف كان تغييري عليهم، فإن الله غيّر حياتهم بإهلاكهم بعذاب الاستئصال وعمارتهم بالخراب فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها.
وقرأ أبو عمرو ويعقوب «أهلكتها» على وفق «فأمليت» ثم «أخذتهم»، أي فأهلكنا كثيرا من القرى بإهلاك أهلها، وَهِيَ ظالِمَةٌ أي كافرا أهلها. وهذه جملة حالية من مفعول أهلكنا فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي فهي ساقطة حيطانها على سقوفها، بأن خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، أو فهي خالية عن الناس مع بقاء عروشها، وهذه معطوفة على «أهلكناها» فلا محل لها من الاعراب إن جعلت أهلكناها مفسرة لمضمر ناصب ل «كائن»، ومحلها رفع إن جعل خبرا ل «كأين» وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ أي وكم بئر عامرة كثيرة الماء متروكة لا يستسقى منها لهلاك أهلها. وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أي مرفوع البنيان أو مجصص أخليناه عن ساكنه.
روى أبو هريرة أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله تعالى من العذاب وهم ب «حضرموت» وإنما سميت بذلك لأن صالحا حين حضرها مات. ثمّ وثمّ بلدة عند البئر اسمها «حاضورا» بناها قوم صالح، وأمّروا عليها حاسر بن جلاس، وجعلوا وزيره سنجاريب وأقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان نبيا فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله تعالى وعطّل بئرهم، وخرّب قصورهم. وعلى هذا فالمراد بالبئر بئر بسفح جبل بحضرموت وبالقصر مشرف على قلته أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي أغفل أهل مكة فلم يسافروا في تجاراتهم فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يجب أن يعقل من التوحيد بسبب ما شاهدوه من مواد الاعتبار أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ما يجب أن يسمع من أخبار الرسول فَإِنَّها الضمير للقصة يفسره ما بعده لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) أي ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما هو في عقولهم، باتباع الهوى والانهماك في الغفلة، والاعتماد في التقليد وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ أي تطلب قريش كالنضر بن الحرث أن تأتيهم بالعذاب عاجلا استهزاء بك وتعجيزا لك على زعمهم.
وكان رسول الله يهددهم بنقمات الله دنيا وأخرى، وهم يقولون: إن ما حذرتنا به لا يقع، وإنه لا بعث، فذكر الله تعالى نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة بقوله تعالى: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ في إنزال العذاب بكم في الدنيا، وقد أنجز الله وعده يوم بدر، فقتل منهم سبعون، وأسر منهم سبعون وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) أي وإن يوما من أيام عذابكم في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا في كثرة الآلام وشدتها، فلو عرفوا حال عذاب الآخرة أنه بهذا الوصف لما استعجلوه.

صفحة رقم 76

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية