مُنيبين إليه أي : راجعين إليه، فهو حال من ضمير : الزموا. وقوله : واتقوه وأقيموا الصلاة : عطف على الزموا. أو : على ( فأقم ) ؛ لأن الأمر له - عليه الصلاة والسلام - أمرٌ لأمته، فكأنه قال : فأقيموا وجوهكم، منيبين إليه، واتقوه أي : خافوا عقوبته، وأقيموا الصلاة أي : أَتْقِنُوهَا وأدّوها في وقتها، ولا تكونوا من المشركين ؛ ممن يشرك به غيره في العبادة.
قال بعضهم : إنما حجب الله عنها تلك العلوم ؛ غيرة أن تكشف سر الربوبية، فيظهر لغير أهله، قال القشيري : فأَقِمْ وجْهَك أي : أَخِلْصْ قَصْدَك إلى الله، واحفَظْ عهدك معه، وأَفْرِدْ عملك، في سكناتِك وحركاتك وجميع تصرفاتِك، له. حنيفاً أي : مستقيماً في دينه، مائلاً عن غيره، مُعْرِضاً عن سواه. والزَمْ فطرةَ الله التي فطر الناسَ عليها ، ثم ذكر ما تقدم لنا. ثم قال : منيبين إليه ؛ راجعين إلى الله بالكلية، من غير أن تبقى بقية، متصفين بوفائه، منحرفين بكل وجهٍ عن خلافه، مُتَّقينٍ صغير الإثم وكبيره، وقليله وكثيره، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها ؛ جهراً، متحققين بمرعاة فضلها ؛ سِراً. وَلَـمْ تَـزَلْ كُـلُّ نُفُـوسٍ الأَحْيَـا لأمَـةً دَرَّاكَـةً لـلأَشْيَـا وَإِنَّمَـا تَعُـوقُهَـا الأَبْـدَانُ وَالأَنْـفُـسُ النُّـزَّعُ وَالشَّيْـطَـانُ فَكُـلُّ مَـنْ أذاقهـم جِهَـادَهْ أَظْـهَـرَ لِلْقَـاعِـدِ خَـرْقَ الْعَـادَهْ
وقال في قوله تعالى : من الذين فَرَّقوا دينهم : أقاموا في دنياهم في دار الغفلة، وعناد الجهل والفترة، فركنوا إلى ظنونهم، واستوطنوا مركب أوهامهم، وثَمِلُوا بِسُكْرِ غَيِّهِمْ، وظنوا أنهم على شيء، فإذا انكشف ضبابُ وقتهم، وانقشع سحابُ هجرهم، انقلب فرحُهم تَرَحاً، واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة، ولم يعرجوا إلا في أوطان الجهالة. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي