وعادة الناس، وهي باطلة غير قائمة فعلا بين العبيد والسادة فيما يملكه السادة، وإذا كان الخلق كلهم عبيدا متساوين لله تعالى، فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله.
وهذه الآية تنفي جميع محاسن العبادة عن غير الله تعالى، إذ لا ملك لهم فلم يصلحوا للشركة، ولا عظمة لهم حتى يعبدوا لعظمتهم، ولا يرتجى منهم منفعة حتى يعبدوا لنفع، وليس لهم قوة وقدرة لأنهم عبيد، والعبد المملوك لا يقدر على شيء.
٢- إذا ثبت أنه لا يجوز ولا يعقل أن يشارك المملوك مالكه، فلا يجوز أن يكون المخلوقون المملوكون لربهم شركاء له، ولكن الذين أشركوا تجاوزوا هذا المنطق، واتبعوا بعبادتهم الأصنام أهواءهم من غير دليل علمي، وقلدوا فقط الأسلاف في ذلك.
٣- هؤلاء المشركون الذين اختاروا الشرك والكفر أضلهم الله، فلا هادي لهم، كما لا هادي لكل من أضله الله تعالى، وهم أيضا مخذولون فاقدو النصرة من أحد، ولا منقذ لهم من قدرة الله، ولا مجير، ولا حيلة لهم بالهرب من عذاب الله ولا محيد لهم عنه.
الأمر باتباع الإسلام دين الفطرة والتوحيد
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)
الإعراب:
فِطْرَتَ اللَّهِ منصوب بتقدير فعل، أي اتبع فطرة الله، دل عليه قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ أي اتبع الدين، أو منصوب على المصدر، تقديره: فطر الله الخلق فطرة، أو منصوب على الإغراء.
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ منصوب على الحال من ضمير فَأَقِمْ. وإنما جمع حملا على المعنى لأن الخطاب للرسول صلّى الله عليه وسلّم، والمراد به أمته، مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
[الطلاق ٦٥/ ١].
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا بدل بإعادة الجار، أي بدل من المشركين.
البلاغة:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ من إطلاق الجزء وإرادة الكل، أي توجه إلى الله بكليتك.
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ أي اتبع الدين وأخلص فيه وأقبل على الإسلام واثبت عليه يا محمد ومن تبعك. حَنِيفاً مائلا إلى الاستقامة، تاركا طرق الضلالة. فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها خلقة الله التي خلق الناس عليها من الشعور بالعبودية لله تعالى، وقبول الحق وإدراكه.
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ لا ينبغي لأحد أن يغير فطرة الله وخلقه، وليس لكم أن تبدلوا دينه بأن تشركوا. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي ذلك الدين المأمور باتباعه أو الفطرة بمعنى الملة هو الدين المستقيم أو المستوي الذي لا عوج فيه ولا انحراف، وهو توحيد الله. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي أغلب الناس، مثل كفار مكة حين نزول الوحي لا يعلمون توحيد الله تعالى واستقامة الدين، لعدم تدبرهم وتفكرهم.
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ راجعين إليه تعالى بالتوبة وإخلاص العمل، والتزام ما أمر به واجتناب ما نهى عنه. وَاتَّقُوهُ أي أقيموا الدين واتبعوه وخافوا الله لأن الخطاب للرسول صلّى الله عليه وسلّم والأمة معه، غير أن الآية صدرت بخطاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تعظيما له. فَرَّقُوا دِينَهُمْ أي اختلفوا فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم، وقرئ: فارقوا، اي تركوا دينهم الذي أمروا به.
شِيَعاً فرقا، تشايع كل فرقة إمامها الذي قرر لها دينها وأصّله، أي وضع أصوله.
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي كل حزب منهم بما عندهم مسرورون.
المناسبة:
بعد بيان أدلة الوحدانية والقدرة الإلهية على كل شيء ومنه الحشر والبعث، وبعد توطين عزيمة الرسول صلّى الله عليه وسلّم على الاعتزاز بدعوته وعدم الاهتمام بموقف المشركين منها، وترك الالتفات إليهم، أمر الله تعالى بمتابعة دين الإسلام، والثبات عليه، والإخلاص في العمل الذي اشتمل عليه لأنه فطرة الله التي أودع النفوس والعقول عليها، والاعتراف بمضمونها، والشعور الصافي بمدلولها.
التفسير والبيان:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أي إذا تبين الحق في الاعتقاد والدين بدلائله السابقة، وبطل الشرك ومعالمه، فاتبع الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، التي هداك الله لها، وأكملها لك، وهو دين الفطرة السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه خلقهم على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره، وكن بذلك مائلا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق. وهذا أمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم وأمر لأمته أيضا. وتلك الفطرة كما قال تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا: بَلى [الأعراف ٧/ ١٧٢] وكما
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه مسلم وأحمد: «إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم»
وفي حديث آخر رواه البخاري ومسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء «١»، هل تحسّون فيها من جدعاء «٢» ».
فكل من الآيتين والحديثين دليل على نقاوة أصل الخلق، وأن الله تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وعلى الإسلام الصافي، ثم طرأ على بعضهم الأديان
(٢) جدعاء: مقطوعة الأذن أو الأنف.
الفاسدة كاليهودية والنصرانية والمجوسية.
وقوله: فِطْرَتَ اللَّهِ أي الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله. وقدر فعل الخطاب للجماعة لقوله: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ.
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي لا ينبغي لأحد أن يبدّل أو يغير فطرة الله أي الخلقة الأصلية والملة السليمة، وهو خبر في معنى النهي أو الطلب، أي لا تبدلوا خلق الله ودينه بالشرك، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها.
وهذا دليل على سلامة الخلقة العقدية، ونقاوة العقل البشري في أصل التكوين والوجود، ثم يحدث التغيير بتأثيرات البيئة من أهواء وعلوم ومعارف زائغة، وموروثات باطلة وتقليد مستمر للأسلاف، دون إعمال الفكر وتكوين الاعتقاد بالنظرة المستقلة الصائبة، ولو ترك الإنسان وشأنه لما اختار غير الإسلام دينا لأنه دين الفطرة والعقل.
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي ذلك المأمور به من اتباع ملة التوحيد والتمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف.
غير أن أكثر الناس لا يعرفون ذلك حق المعرفة، فهم ناكبون عنه، لعدم إعمال فكرهم والإفادة من العلم الصحيح والبراهين الواضحة الدالة عليه، ولو فكروا وعقلوا وعلموا حق العلم، لما عدلوا عن ملة التوحيد وشريعة الإسلام وهديه.
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي اتبعوا دين الله، مقبلين عليه، راجعين إليه، وإذا أقبلتم عليه وتركتم الدنيا، فلا تأمنوا فتتركوا عبادته، بل خافوه وداوموا على العبادة، وراقبوه فلا تفرطوا في طاعة، ولا ترتكبوا معصية، وأقيموا الصلاة، أي داوموا على إقامتها كاملة
الأركان مستوفية الشروط، قائمة على الخشوع وتعظيم الله عز وجل، ولا تكونوا بعد الإيمان من المشركين به غيره، فلا تقصدوا بذلك غير الله، أي بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه، والعبادة الخالصة هي كما
جاء في الحديث الصحيح عند الشيخين عن عمر: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
وروى ابن جرير عن يزيد بن أبي مريم قال: مرّ عمر رضي الله عنه بمعاذ بن جبل، فقال عمر: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث، وهن المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
وأوصاف المشركين هي:
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي من المشركين الذين فرقوا دينهم أي اختلفوا فيما يعبدونه على حسب اختلاف أهوائهم، وبدلوا دين الفطرة وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وصاروا فرقا مختلفة كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة، كل فرقة منهم تفرح بما عندها وتسر وتعجب، وتزعم أن الصواب في جانبها، مع أنهم على الباطل الذي يناقض الحق الذي أراده الله واختاره دينا لعباده.
وهذا يشمل أيضا اختلاف الأمة الإسلامية، اختلفوا بينهم على مذاهب شتى في الاعتقاد والعمل، كلها ضلالة، إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، كما
روى الحاكم في مستدركه أنه سئل صلّى الله عليه وسلّم عن الفرقة الناجية منهم، فقال: «من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
وقرئ: «فارقوا دينهم».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- الإسلام دين الفطرة والتوحيد، فهو دين يلائم أصل الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها.
وفطرة الله هي التوحيد، فإن الله خلق الناس موحدين مقرين بوجود ربهم وبوحدانيته، حيث أخذهم من ظهر آدم في عالم الذر، وسألهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فقالوا: بَلى [الأعراف ٧/ ١٧٢].
٢- أمر الله تعالى باتباع دين الفطرة النقية لأنه دين التوحيد، والدين المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، وهو دين الإسلام، وحذر من تبديله وتغييره، فلا يصح تبديل دين الله، قال البخاري: قوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ: لدين الله، خلق الأولين، دين الأولين، الدين والفطرة: الإسلام.
كما حذر الله تعالى من الميل لأي دين آخر غير ملة الإسلام، بقوله:
حَنِيفاً معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان المحرّفة المنسوخة.
٣- إن أكثر الناس لا يتفكرون، فيعلمون أن لهم خالقا معبودا، وإلها قديما سبق قضاؤه ونفذ حكمه، وأن الإسلام هو الدين المستقيم.
٤- أمر الله تعالى بالإنابة إليه، أي بالرجوع إليه بالتوبة والإخلاص، والإقبال عليه، وإطاعته، والتوبة إليه من الذنوب.
وأمر أيضا بالتقوى، أي بالخوف من الله وامتثال ما أمر به، وبإقامة الصلاة تامة كاملة مشتملة على الخشوع ومحبة الإله المعبود، وحذر من اقتران العبادة بالشرك، فأبان أن العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص، فلذلك قال:
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي