وإذا كان الإنسان يأبى أن يكون عبده- وقد يبيعه في وقت أو يعتقه- شريكا له في ماله- الذي هو في الواقع رزق سيق إليه من الله- وهو يخافه ولا يتصرف فيه إلا بأمره، لكونه شريكا، إذا كان الإنسان يأبى أن يشاركه عبده في هذا المال مع أن هذا العبد يستوي معه في البشرية والعبودية لله فكيف يقول: إن لله شريكا في تصريف هذا الكون الذي هو ملكه، والشريك عبد دائم العبودية.
أظن أنه لا يقول بشركة الأصنام والأوثان لله إنسان عاقل كامل القوى.
مثل ذلك التفصيل والبيان في إلزام الخصم الحجة قوية نفصل الآيات ونوضحها لقوم يحكمون عقولهم فيما يعرض لهم.
بل اتبع هؤلاء المشركون الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم، اتبعوا أهواءهم ولم يحكموا عقولهم فليس لهم في هذا الشرك سند من عقل أو نقل أو حجة أو منطق فهم قوم ساروا على غير هدى ولا علم ولا بصيرة فلا أمل في رجوعهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم.
وإذا كان أمر هؤلاء الناس كذلك فمن يهدى من أضله الله؟
لا أحد يقدر على هداية من خذله الله ولم يوفقه إلى الحق لأنه يستحق ذلك بطبعه، وما له من ناصر ينصره حتى لا يخذل، ويمنعه من عذاب الله حتى لا يعذب.
الإسلام دين الفطرة [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)
المفردات:
حَنِيفاً: مائلا عن جميع الأديان المحرفة فِطْرَتَ اللَّهِ: خلقة الله الْقَيِّمُ المستقيم على الطريق الحق مُنِيبِينَ إِلَيْهِ: مقبلين عليه شِيَعاً: جمع شيعة وهي الحزب والجماعة المتشيعة لإمامها حِزْبٍ الحزب: الجماعة المتحزبة المتجمعة حول رأى خاص.
المعنى:
إذا ظهر الحق ودلائله وبطل الشرك وأوهامه، وقامت البراهين القوية على ذلك، فأقم وجهك للدين حنيفا، على معنى: قوم وجهك، وعدل نفسك واتجه بذاتك كلها إلى الدين الحق الذي ظهرت آياته، حالة كونك مائلا عن كل ما عداه، وهذه العبارة- فأقم وجهك للدين حنيفا- تمثيل للإقبال على الدين، والثبات عليه والاهتمام بأسبابه، والأخذ بمبادئه، فإن من اهتم بشيء عقد عزمه عليه، وسدد وجهه إليه، وقوم ذاته نحوه، لا يميل عنه يمنة ويسرة، وهذا أمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو كذلك أمر لأمته، والزموا فطرة الله التي فطر الناس عليها، والفطرة هي الخلقة والطبيعة التي خلق الله الناس عليها، وقيل في تفسيرها: إنها الإسلام أو الدين الحق، ولكن الرأى الأول أرجح لقوله تعالى.. لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بمعنى خالق. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ أى: خلقني، والفطرة بمعنى الخلقة يراد بها أن الله خلق الخلق مستعدين بفطرتهم وطبيعتهم إلى التوحيد قابلين له غير جاحدين ولا منكرين، فلو ترك الشخص وشأنه لما اختار غير الإسلام دينا له لأنه دين الفطرة والطبيعة، دين جاء يخاطب العقل، ويسير مع حاجات النفوس السليمة في كل أحكامه وضوابطه، هذا هو دين الفطرة الأولى صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً، ومن غوى من الناس فإنما يكون بوسوسة الشيطان. وتأثير الإنسان الذي يعاشره في بيئته- وخاصة أبويه- ومن هنا نفهم
الحديث القائل: «كلّ مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه»
وعليه
قوله صلّى الله عليه وسلّم فيما يرويه عن ربه: «كلّ عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشّياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيرى»
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي