ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم( ١ ) مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ( ٢ ) وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ( ٢٦ ) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ( ٢٧ ) [ ٢٦ ـ ٢٧ ].
تعليق على الآية
وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ... الخ
والآية التالية لها وشرح وقعة بني قريظة
عبارة الآيتين مفهومة. وقد احتوت إشارة إلى مشهد جهادي ضد فريق من أهل الكتاب. ويجمع روايات التفسير والسيرة، على أنهم يهود بني قريظة في المدينة.
ومما ذكرته هذه الروايات : أن جبريل أتى النبي فور انصراف الأحزاب، وبلّغه وجوب الزحف حالا على بني قريظة، فأرسل مناديا ينادي " من كان سامعا مطيعا فلا يصلين إلا ببني قريظة " حيث ينطوي في هذا شدة أثر ما أظهره بنو قريظة من غدر وعداء في الموقف العصيب الذي نجم من زحف أحزاب المشركين من كل صوب. وعبارة ظاهروهم تلهم أنه بدا منهم أثناء حصار الأحزاب للمدينة أعمال ضارة بالمسلمين مظاهرة للأحزاب ؛ مما أثار في نفوس النبي وأصحابه الغيظ والسخط فوق ما أثاره إنكارهم لعهد رسول الله وإعلانهم العداء للمسلمين أمام زعيمي الأوس والخزرج، على ما ذكرناه في سياق الآيات السابقة.
وملخص ما جاء في الروايات عن هذه الوقعة١ : أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصرهم مع المسلمين خمسا وعشرين ليلة، ولم يقبل منهم إلا الاستسلام بدون قيد وشرط. فلم يكن لهم مناص من ذلك لما ضاق الخناق عليهم.
ولقد كانوا حلفاء الأوس فقال بعضهم لرسول الله : إنهم موالينا فارفق بهم كما رفقت بموالي إخواننا الخزرج ـ يعنون بذلك بني قينقاع وبني النضير الذين قبل شفاعة الخزرج فيهم واكتفى بإجلائهم ـ فقال لهم : هل ترضون أن يكون الحكم فيهم واحدا منكم. قالوا : بلى. قال : فذاك إلى سعد بن معاذ، وكان زعيمهم. وكان أصابه في حصار الخندق سهم فأمر النبي بنقله إلى خيمة في مسجده ووكل به امرأة مؤمنة من قبيلة أسلم كانت خبيرة بمداواة الجرحى. فجاءه بعض قومه، وأبلغوه ذلك، وحملوه على حمار، وساروا في ركابه وهم يقولون له : أحسن يا أبا عمرو في مواليك، فقد ولاك رسول الله أمرهم، فلما جاء إلى النبي وأبلغه قرار تحكيمه فيهم قال : آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، وإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتسبي الذراري والنساء وتقسّم الأموال، فبادره النبي قائلا :" لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. ( أي سموات ) " ثم نفذ الحكم فيهم عدا بعض أفراد أعلنوا إسلامهم، فعصموا دماءهم وأموالهم.
ومما روي أن ما صادره رسول الله منهم ١٥٠٠ سيف و٣٠٠ درع و٢٠٠٠ رمح و١٥٠٠ ترس وحجفة وخمر عدا كثير من الجمال النواضح والماشية. وكان عدد الذين قتلوا بين ٦٠٠ و ٧٠٠ وفي رواية ٤٠٠ واستثنى من القتل من لم ينبت شاربه وأسروا مع النساء والأطفال واعتبر الجميع رقيقا وأرسل قسم منهم على اختلاف في الروايات في عددهم إلى نجد ؛ حيث بيعوا واشتري بثمنهم خيل وسلاح٢.
ومما روي كذلك٣ أن بني قريظة طلبوا من النبي أن يرسل إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر الأوسي ليستشيروه في أمرهم، فأرسله إليهم فسألوه عما إذا كان ينصحهم أن ينزلوا على حكم النبي، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقال : نعم، ثم أشار بيده إلى حلقه يعني : أن مصيرهم في هذه الحالة هو الذبح، وأن أبا لبابة شعر أنه قد خان الله ورسوله، فانطلق على وجهه إلى مسجد رسول الله فربط نفسه بعمود وقال : لا أبرح من مكاني هذا حتى يتوب الله عليّ مما صنعت، فبلغ ذلك النبي فقال : أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه، حتى يتوب الله عليه وظلّ على حاله أياما ثم هتف النبي : لقد تيب على أبي لبابة فبادرت أم سلمة وكان عندها، فهتفت من باب حجرتها على أبي لبابة تبشره، ولما خرج النبي إلى صلاة الصبح أطلقه بيده ؛ حيث ينطوي في هذا صورة رائعة من صور العهد النبوي.
ولقد انتقد بعض المستشرقين قسوة الحكم والتنكيل. وليس في نقدهم حق وصدق فالآية صريحة بأن اليهود ظاهروا الأحزاب. وهذا يعني أنه بدا منهم موقف حربي ما في الظرف العصيب الذي واجهه المسلمون، والذي تعرضوا فيه لخطر الإبادة والاستئصال والذي وصفته الآيات أشد وصف. وتعجيل النداء للمسلمين بالسير نحوهم يوم انصراف الأحزاب بدون تريث دليل على ما كان من شدة أثر موقفهم الطارد في نفوس النبي والمسلمين. ولقد غرهم الموقف واستبشروا بزحف الأحزاب إلى درجة أنهم لم يتورعوا عن إنكار عهدهم وردّ زعيمي الأوس والخزرج ذلك الرد اللئيم الذي رويناه قبل، والذي جرح قلب زعيم الأوس حليفهم أشد جرح، بل ولقد استمروا في موقفهم بعد انصراف الأحزاب ؛ حيث روى الطبري أنهم أخذوا يبذءون في حق النبي صلى الله عليه وسلم حينما دنت طلائعه لحصارهم على مسمع من حامل الراية علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فلا جرم أن يكون عقابهم مناسبا مع موقفهم اللئيم الغادر. ولا سيما إنهم لم يعتبروا بإجلاء بني قينقاع وبني النضير قبلهم. ومع ذلك كله فإن القتل اقتصر على المقاتلة بعد أن عرض عليهم الإسلام فأباه أكثرهم وآمن أفراد منهم فسلموا. واستثنى من القتل الأولاد والنساء، وفي كل هذا من التسامح والحلم ما يخالف ما سجلته الأسفار من خططهم الرهيبة تجاه أعدائهم حينما ينتصرون عليهم.
ولقد قال المفسرون : إن الأرض التي أورثها الله المسلمين دون أن يطؤوها على ما جاء في الآية الثانية هي أرض خيبر. وإن عبارة الآية بمثابة بشرى سابقة وهناك من أغرب فقال : إنها مكة أو بلاد الروم وبلاد فارس٤. والذي يستلهم من روح الآية ومضمونها أنها أرض كان يملكها بنو قريظة بعيدة عن مساكنهم استولى عليها المسلمون في ظروف الوقعة في جملة ما استولوا عليه من أموالهم وأملاكهم.
هذا، والذي نرجحه أن الآيتين نزلتا مع الآيات السابقة في سياق واحد. وأن هذه وتلك قد نزلتا بعد الوقعتين بسبيل ما احتوته من تعقيب وتذكير وتنويه وتنديد ومنّ بفضل الله ونصره.
هذا، والآية [ ٢٦ ] وإن كانت حكت ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في بني قريظة فإنها انطوت على إقرار رباني لما فعلوه جزاء الموقف الشديد الخطورة من الغدر والخيانة الذي وقفوه. ولقد كان نزولهم على حكم النبي بمثابة استسلام واستئسار. فبعدما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأقره الله عليه من قتل بعضهم واسترقاق بعضهم تشريعا يقاس عليه في الظروف المتأتية والله تعالى أعلم.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير