نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥:ثم تولى كتاب الله وصف النهاية الفاشلة التي انتهى إليها حلف أحزاب الشرك والكفر ضد الرسول والمؤمنين، ووصف النهاية الظافرة، التي توجت جهود المقاومة الإسلامية، برحيل تلك الأحزاب، وعودتها من حيث أتت بخفي حنين، وتقليم أظفار يهود بني قريظة، الذين بادروا إلى نقض عهدهم مع المسلمين، والتحالف مع الأحزاب، بمجرد زحفها على المدينة، أملا في القضاء على الإسلام، والتخلص منه في الحين. فقال تعالى : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، أي : ردهم بأخسر صفقة، خائبين منهزمين، ممتلئين غيظا وحنقا، وكفى الله المؤمنين القتال ، أي : بما آتاهم من عون ظاهر وخفي، فقد وفقهم إلى مفاجأة المغيرين بما لم يكن في الحسبان، وذلك بحفر خندق يحمي المدينة أثناء حصارها من كل عدوان، كما سلط الله على أعدائهم ريحا عاتية شتتت شملهم، وقطعت حبلهم، وجعلتهم في حالة رعب وفزع وعويل، لا يهمهم معها إلا الانصراف والرحيل : وكان الله قويا عزيزا( ٢٥ ) ، أمد رسوله والمؤمنين بقوته، وأعز دينه الحق بعزته، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ، ثم قال تعالى : وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، أي : مكن الله للمسلمين من يهود بني قريظة الذين تقع مساكنهم على بعد بضعة أميال من المدينة، فاستغلوا قربهم منها، وقلبوا للمسلمين ظهر المجن، وتضامنوا مع أحزاب الشرك الزاحفة عليهم، ظنا منهم أن فرصة القضاء على الإسلام قد حل أجلها، مع أنهم يعدون من( أهل الكتاب )، كما وصفهم الله في هذه الآية، لا من أهل الوثنية والشرك. والحليف الطبيعي لهم، الذي كان المنطق يقضي بتأييده ومناصرته هو دين الحق، الذي جاء مصدقا لما بين يديه من الكتاب، لا دين الوثنية الباطل، الذي لا يؤمن بأي كتاب، ولذلك ما كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود من رباطه بالخندق، بعد جلاء الأحزاب عن المدينة، حتى أوحي إليه أن ينهض من فوره إلى حصار بني قريظة في قراهم المحصنة، القريبة من نفس المدينة، عقابا لهم على جريمة الغدر، وتأديبا لهم على خيانة العهد والضرب من الخلف، فحاصرهم رسول الله والمؤمنون خمسا وعشرين ليلة، ولما طال عليهم الحصار، ولم يجدوا وسيلة للفرار، لم يسعهم إلا الخضوع والاستسلام، لجنود الإسلام، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : تنزلون على حكمي فأبوا، فقال :( على حكم سعد بن معاذ ) فرضوا به، لأن سعد بن معاذ كان هو سيد الأوس، والأوس كانوا في الجاهلية حلفاء لبني قريظة، فاستدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة، حيث كان نازلا في قبة بالمسجد النبوي، يعالج فيها من سهم أصابه أيام الخندق، فلما حضر ودنا من الخيمة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله :( قوموا إلى سيدكم )، فقام إليه المسلمون وأنزلوه من مطيته، إجلالا واحتراما له في محل ولايته، ليكون ذلك أنفذ لحكمه، فلما جلس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هؤلاء - وأشار إلى بني قريظة ومعهم سيدهم كعب بن أسد الذي نقض العهد- قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت، فقال سعد :( وحكمي نافذ عليهم ؟ ) فقال رسول الله :( نعم ) ثم قال سعد :( وعلى من في هذه الخيمة ؟ ) قال رسول الله :( نعم ) ثم قال سعد :( وعلى من هاهنا ) - وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض بوجهه عن رسول الله إجلالا وإكراما - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( نعم )، فنطق سعد بن معاذ بحكمه بعد أن ارتضاه الجميع حكما، والتزمت الأطراف المعنية كلها تنفيذ حكمه، وقال :( إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم وأموالهم ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة )، أي : من فوق سبع سماوات. وكان مقاتلتهم ما بين سبعمائة إلى الثمانمائة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا في نفس السياق بغاية الإيجاز والإعجاز : وقذف في قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا( ٢٦ ) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها ، لأنها كانت خاصة بهم، ومحرما دخولها على غيرهم، وكان الله على كل شيء قديرا( ٢٧ ) ، يعفو عمن يستحق العفو والإكرام، وينتقم ممن لا ينفع فيه إلا الانتقام.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري