النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلي أولياءكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا ( الأحزاب : ٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه فيما سلف : أن الدعي ليسا ابنا لمن تبناه، فمحمد صلى الله عليه وسلم ليس أبا لزيد بن حارثة، ثم أعقب ذلك بالإرشاد إلى أن المؤمن أخو المؤمن في الدين، فلا مانع أن يقول إنسان لآخر : أنت أخي في الدين - أردف ذلك بيان محمد صلى الله عليه وسلم ليس أبا لواحد من أمته، بل أبوته عامة، وأزواجه أمهاتهم وأبوته أشرف من أبوة النسب ؛ لأن بها الحياة الحقيقية، وهذه بها الحياة الفانية، بل هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا حضهم على الجهاد ونحوه، فذلك لارتقائهم الروحي، فإذا كيف يستأذن الناس آباءهم وأمهاتهم حين أمرهم صلى الله عليه وسلم بغزوة تبوك، وهو أشفق عليهم من الآباء، بل من أنفسهم.
روى البخاري عن أبي هريرة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن ترك مالا، فلترثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا –عيالا - فليأتني، فأنا مولاه ".
وفي الصحيح أن عمر رضي الله عنه قال :" يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم :" لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك "، فقال : يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء، حتى من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم :" الآن يا عمر ".
الإيضاح : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم أي النبي أشد ولاية ونصرة لهم من أنفسهم، فإن عليه الصلاة والسلام لا يأمرهم إلا بما فيه خيرهم وصلاحهم، ولا ينهاهم إلا عما يضرهم ويؤذيهم في دنياهم وآخرتهم، أما النفس فإنها أمارة بالسوء، وقد تجهل بعض المصالح، وتخفى عليها بعض المنافع.
ومما يلزم هذا أن يكون حكمه نافذا فيهم، مقدما على ما يختارونه لأنفسهم، كما قال :
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ( النساء : ٦٥ ).
وخلاصة ذلك : إنه تعالى علم شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته، وشدة نصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم.
وأزواجه وأمهاتهم أي هي منزلات منزلة الأمهات في الحرمة والاحترام، والتوقير والإكرام، وفيما عدا ذلك هن كالأجنبيات، فلا يحل النظر إليهن، ولا إرثهن ولا نحو ذلك.
وكان التوراث في بدء الإسلام بالحلف والمؤاخاة بين المسلمين، فكان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه للأخوة التي آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حين الهجرة، فقد آخى بين أبي بكر رضي الله عنه، وخارجة بن زيد، وآخى بين عمر وشخص آخر، وآخى بين الزبير وكعب بن مالك، فغير الله الحكم بقوله :
وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين أي وأولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الدين، وحق المهاجرين بحق الهجرة فيما كتبه الله وفرضه على عباده.
والخلاصة : إن هذه الآية أرجعت الأمور إلى نصابها، وأبطلت حكما شرع لضرورة عارضة في بدء الإسلام، وهو الإرث بالتآخي في الدين، والتآخي حين الهجرة بين المهاجرين والأنصار حين كان المهاجري يرث الأنصاري دون قرابته وذوي رحمه.
ثم استثنى من ذلك الوصية، فقال :
إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا الأولياء هنا المؤمنون والمهاجرون والمعروف الوصية أي إلا أن توصوا لهؤلاء بوصية، فهم أحق بها من القريب الوارث.
ثم بين أن هذا الحكم هو الأصل في الإرث، وهو الحكم الثابت في كتابه الذي لا يغير ولا يبدل، فقال :
كان ذلك في الكتاب مسطورا أي إن هذا الحكم، وهو أن أولى الأرحام بعضهم أولى ببعض - حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الذي لا يبدل ولا يغير، وإن كان قد شرع غيره في وقت ما لمصلحة عارضة، وحكمة بالغة، وهو يعلم أنه سيغيره إلى ما هو جار في قدره الأزلي، وقضائه التشريعي.
تفسير المراغي
المراغي