ثم تصدى كتاب الله لتحديد العلاقة القائمة بين عامة المسلمين ورسوله الصادق الأمين، وبينهم وبين أزواج الرسول من أمهات المؤمنين، والعلاقة القائمة بين الأقارب من أولى الأرحام بعضهم من بعض، فقال تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، ومعنى كون الرسول عليه السلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم أنه أرأف بكل واحد منهم، وأشفق عليه من نفسه التي بين جنبيه، إذ هو يدعو كل مؤمن إلى النجاة دائما، بينما النفس الأمارة بالسوء تدعوه إلى الهلاك غير ما مرة، ومثل هذا المعنى يؤخذ من قوله تعالى في وصف رسوله الأعظم ( ١٢٨ : ٩ ) : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رءوف رحيم ، وقوله تعالى في وصفه أيضا ( ١٥٧ : ٧ ) : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، وقد اتسع نطاق رأفته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين ورحمته لهم، حتى أخذ يسدد دين من مات منهم وعليه دين، طبقا لقوله صلى الله عليه وسلم، ونصه كما رواه البخاري في كتاب الفرائض من صحيحه :( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته ).
ومعنى قوله تعالى : وأزواجه أمهاتهم ، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنزلن منزلة أمهات المؤمنين في وجوب البرور والتوقير والاحترام، وكذلك في منع الزواج بهن من بعده، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى ( ٣٥ : ٣٣ ) : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا، إن ذلكم كان عند الله عظيما . أما بنات أزواجه وأخواتهن فالزواج بهن حلال بالإجماع، وإن كان بعض الأئمة يتساهل في التعبير، فيطلق على بنات أزواج النبي ( أخوات المؤمنين ).
ومعنى قوله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، أن ذوي القرابات من أهل الفرائض أحق من غيرهم بالتوارث فيما بينهم، وبذلك يمنع إشراك الولد المتبنى مع ولد الصلب في إرث أبيه أو أمه، لأنه لا رحم بينه وبينهما، وليس من أولادهما الشرعيين الأصليين.
وبمقتضى قوله تعالى في هذه الآية : في كتاب الله ، وضع كتاب الله حدا للتوارث بمجرد الهجرة والمؤاخاة في الدين التي كانت قد حلت مؤقتا محل القرابة، بين الأنصار والمهاجرين فعاد الأمر إلى نصابه، وعادت المواريث إلى أهلها من ذوي القرابات، الذين لهم حق في الميراث، سواء في ذلك أولو الأرحام من عموم المؤمنين أو خصوص المهاجرين، طبقا لقوله تعالى في نفس السياق : من المؤمنين المهاجرين .
وقوله تعالى : إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، باب واسع فتحه كتاب الله في وجه من يريد الإحسان إلى من له به علاقة خاصة، لكن لاحق له في الإرث، إما لكون درجة قرابته رغم إسلامه لا تعطيه صفة الوارث شرعا، وإما لأنه على غير ملة الهالك، كالزوجة الكتابية التي لم تسلم، ففي هذه الحالة التي لا إرث فيها لا مانع من البر والإحسان، عن طريق الهبة أو( الوصية ) التي جاء بها القرآن.
وليؤكد كتاب الله من جديد وجوب قصر التوارث على أولي الأرحام بعضهم مع بعض، وإلغاء كل ما خالف ذلك مما سبق في الجاهلية أو وقع في صدر الإسلام، قال تعالى : كان ذلك في الكتاب مسطورا( ٦ ) ، بمعنى أن هذا الحكم هو الحكم الأساسي الذي شرعه الإسلام على وجه الاستمرار الدوام.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري