ثم يقول الحق سبحانه :
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ( ٦ ) .
فالمعنى : إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين جميعا من أنفسهم فما بالكم بزيد ؟ إذن : لستم أحن على زيد من الله، ولا من رسول الله، وإذا كنتم تنظرون إلى الوسام الذي نزع من زيد حين صار زيد ابن حارثة بعد أن كان زيد بن محمد.
فلماذا تغمضون أعينكم عن فضل أعظم، ناله زيد من الله تعالى حين ذكر اسمه صراحة في قرآنه وكتابة العزيز الذي يتلى ويتعبد بتلاوته إلى يوم القيامة، فأي وسام أعظم من هذا ؟ فقوله تعالى : فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا( ٣٧ ) [ الأحزاب ] قول خالد يخلد معه ذكر زيد، وهكذا عوض الله زيدا عما فاته من تغيير اسمه.
وقوله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ.. ( ٦ ) [ الأحزاب ] ما المراد بهذه الأولوية من النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قالوا : هي ارتقاءات في مجال الإحسان إلى النفس، ثم إلى الغير، فالإنسان أولا يحسن إلى نفسه، ثم إلى القرابة القريبة، ثم القرابة البعيدة، ثم على الأباعد، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم : " ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول " ١.
ويقولون : أوطان الناس تختلف باختلاف هممها، فرجل وطنه نفسه، فيرى كل شيء لنفسه، ولا يرى نفسه لأحد، ورجل وطنه أبناؤه وأهله، ورجل يتعدى الأصول إلى الفروع، ورجل وطنه بلده أو قريته، ورجل وطنه العالم كله والإنسانية كلها.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم تعدى خيره إلى الإنسانية كلها على وجه العموم، والمؤمنين على وجه الخصوص، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل من أمته وعليه دين، وليس عنده وفاء لا يصلى عليه ويقول : " صلوا على أخيكم " ٢
والنظرة السطحية هنا تقول : وما ذنبه إن مات وعليه دين ؟ ولماذا لم يصل عليه الرسول ؟
قالوا : لم يمنع الرسول الصلاة عليه وقال : صلوا على أخيكم لأنه قال في حديث آخر : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها لم يقل أداها أدى الله عنه " ٣.
أما وقد مات دون أن يؤدي ما عليه، فغالب الظن أنه لم يكن ينوي الأداء، لذلك لا أصلي عليه، فلما نزل قوله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ.. ( ٦ ) [ الأحزاب ] صار رسول الله يتحمل الدين عمن يموت من المسلمين وهو مدين، ويؤدي عنه رسول الله، وهذا معنى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ.. ( ٦ ) [ الأحزاب ] فالنبي أولى بالمسلم من نفسه.
ثم ألم يقل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام عمر : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من : نفسه، وماله، والناس أجمعين " ولصدق عمر رضي الله عنه مع نفسه قال : نعم يا رسول الله، أنت أحب إلي من أهلي ومالي، لكن نفسي.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه " ٤
فلما رأى عمر أن المسألة عزيمة فطن إلى الجواب الصحيح، فلا بد أن الله أنطق رسوله بحب غير الحب الذي أعرفه، إنه الحب العقلي، فمحمد صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه، والإنسان حين يحب الدواء المر إنما يحبه بعقله لا بعاطفته، وكما تحب الولد الذكي حتى لو كان ابنا لعدوك، أما ابنك فتحبه بعواطفك، وتحب من يثني عليه حتى لو كان غبيا متخلفا.
ومشهورة عند العرب قصة الرجل الغني الذي رزقه الله بولد متخلف، وكبر الولد على هذه الحالة حتى صار رجلا، فكان الطالبون للعطاء يأتونه، فيثنون على هذا الولد، ويمدحونه إرضاء لأبيه، وطمعا في عطائه، مع
أنهم يعلمون بلاهته وتخلفه، إلى أن احتاج واحد منهم، فنصحوه بالذهاب إلى هذا الغنى، وأخبروه بنقطة ضعفه في ولده.
وفعلا ذهب الرجل ليطلب المساعدة، وجلس مع هذا الغنى في البهو، وفجأة نزل هذا الولد على السلم كأنه طفل يلعب لا تخفى عليه علامات البله والتخلف، فنظر الرجل إلى صاحب البيت، وقال : أهذا ولدك الذي يدعو الناس له ؟ قال : نعم، قال : أراحك الله منه، والأرزاق على الله.
وقوله تعالى : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.. ( ٦ ) [ الأحزاب ] أي : أن أزواجه صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين، وعليه فخديجة رضي الله عنها أم لرسول الله بهذا المعنى، لأنه أول المؤمنين، لذلك كانت لا تعامله معاملة الزوجة، إنما معاملة الأم الحانية.
ألا تراها كيف كانت تحنو عليه وتحتضنه أول ما تعرض لشدة الوحي ونزول الملك عليه ؟ وكيف كانت تطمئنه ؟ ولو كانت بنتا صغيرة لاختلف الأمر، ولاتهمته في عقله. إذن : رسول الله في هذه المرحلة كان في حاجة إلى أم رحيمة، لا إلى زوجة شابة قليلة الخبرة.
وزوجاته صلى الله عليه وسلم يعتبرون أمهات للمؤمنين به، لأن الله تعالى قال مخاطبا المؤمنين : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا.. ( ٥٣ ) [ الأحزاب ] لماذا ؟ لأن الرجال الذين يختلفون على امرأة توجد بينهم دائما ضغائن وأحقاد.
فالرجل يطلق زوجته ويكون كارها لها، لكن حين يتزوجها آخر تحلو في عينه مرة أخرى، فيكره من يتزوجها، وهذه كلها أمور لا تنبغي مع شخص رسول الله، ولا يصح لمن كانت زوجة لرسول الله أن تكون فراشا لغيره أبدا، لذلك جعلهن الله أمهات المؤمنين جميعا، وهذه الحرمة لا تتعدى أمهات المؤمنين إلى بناتهن، فمن كانت لها بنت فلتتزوج بمن تشاء.
إذن : لا يجوز لإنسان مؤمن برسول الله ويقدره قدره أن يخلفه على امرأته.
لذلك كان تعدد الزوجات في الجاهلية ليس له حد معين، فكان للرجل أن يتزوج ما يشاء ما يشاء من النساء، فلما جاء الإسلام أراد أن يحدد العدد في هذه المسألة، فأمر أن يمسك الرجل أربعا منهن، ثم يفارق الباقين٥، بمعنى أنه لا يجمع من الزوجات أكثر من أربع.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أمسك تسعا من الزوجات، وهذه المسألة أخذها المستشرقون مأخذا على رسول الله وعلى شرع الله، وكذلك من لف لفهم من المسلمين.
ونقول لهؤلاء : أنتم أغبياء، ومن لف لفكم غبي مثلكم، لأن هذا الاستثناء لرسول الله جاء من قول الله تعالى له : لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ.. ( ٥٢ ) [ الأحزاب ].
يعني : إن ماتت إحداهن لا تتزوج غيرها، حتى لو متن جميعا لا يحل لك الزواج بغيرهن، في حين أن غيره من أمته له أن يتزوج بدل إحدى زوجاته، إن ماتت، أو إن طلقها وله أن يطلق منهن من يشاء ويتزوج من يشاء، شريطة ألا يجمع منهن أكثر من أربع، فعلى من ضيق هذا الحكم ؟ على رسول الله ؟ أم على أمته ؟ إذن لا تظلموا رسول الله.
ثم ينبغي على هؤلاء أن يفرقوا بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود، فكون رسول الله يكتفي بهؤلاء التسع لا يتعداهن إلى غيرهن، فالاستثناء هنا في المعدود، فلو انتهى هذا المعدود لا يحل له غيره، ولو كان الاستثناء في العدد لجاز لكم ما تقولون.
ومن ناحية أخرى : حين يمسك الرجل أربعا، ويفارق الباقين من زوجاته لهن أن يتزوجن بغيره، لكن كيف بزوجاته صلى الله عليه وسلم إن طلق خمسا منهن، وهن أمهات المؤمنين، ولا يحل لأحد من أمته الزواج منهن ؟ إذن : الخير والصلاح في أن تبقى زوجات الرسول في عصمته.
ومادام النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ.. ( ٦ ) [ الأحزاب ] كذلك يجب أن يكون المؤمنون أولى برسول الله من نفسه، ليردوا له هذه التحية، بحيث إذا أمرهم أطاعوه.
ثم يقول تعالى : وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ( ٦ ) [ الأحزاب ].
كلمة ( وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ ) مأخوذة من الرحم، وهو مكان الجنين في بطن أمه، والمراد الأقارب، وجعلهم الله أولى ببعض، لأن المسلمين الأوائل حينما هاجروا إلى المدينة تركوا في مكة أهلهم وأموالهم وديارهم، ولم يشأ أنصار رسول الله أن يتركوهم بقلوب متجهة إلى الأزواج.
فكانوا من شدة إيثارهم لإخوانهم المهاجرين يعرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أن يطلق له إحدى زوجاته ليتزوجها٦، وهذا لون من الإيثار لم يشهده تاريخ البشرية كلها، لأن الإنسان يجود على صديقه بأغلى ما في حوزته وملكه، إلا مسألة المرأة، فما فعله هؤلاء الصحابة لون فريد من الإيثار.
وحين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار هذه المؤاخاة، اقتضت أن يرث المهاجر أخاه الأنصاري، فلما أعز الله الإسلام، ووجد المهاجرون سبيلا للعيش أراد الحق سبحانه أن تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، فلم تعد هناك ضرورة لأن يرث المهاجر أخاه الأنصاري.
فقررت الآيات أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في مسألة الميراث، فقال سبحانه : وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ.. ( ٦ ) [ الأحزاب ]. فقد استقرت أمور المهاجرين، وعرف كل منهم طريقه ورتب أموره، والأرحام في هذه الحالة أولى بهذا الميراث.
وقوله تعالى : وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ.. ( ٦ ) [ الأحزاب ] تنبيه إلى أن الإنسان يجب عليه أن يحفظ بضعة اللقاء حتى من آدم عليه السلام، لأنك حين تتأمل مسألة خلق الإنسان تجد أننا جميعا من آدم، لا من آدم وحواء.
يروى أن الحاجب دخل على معاوية، فقال له : رجل بالباب يقول : إنه أخوك، فقال معاوية : كيف لا تعرف إخوتي، وأنت حاجبي ؟ قال : هكذا قال، قال : أدخله، فلما دخل الرجل سأله معاوية : أي إخوتي أنت قال : أخوك من آدم، فقال معاوية : نعم، رحم مقطوعة، والله لأكونن أول من يصلها.
وقوله تعالى : إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا.. ( ٦ ) [ الأحزاب ] الحق سبحانه يترك باب الإحسان إلى المهاجرين مفتوحا، فمن حضر منهم قسمة فليكن له منها نصيب على سبيل التطوع، كما جاء في قوله تعالى : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ( ٨ ) [ النساء ].
وقوله سبحانه : كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ( ٦ ) [ الأحزاب ] أي : في أم الكتاب اللوح المحفوظ، أو الكتاب أي : القرآن.
٢ عن أبي قتادة قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل ليصلي عليه، فقال النبي "صلوا على صاحبكم فإن عليه دينا" قال أبو قتادة: هو علي. فقال صلى الله عليه وسلم: بالوفاء؟ قال: بالوفاء، فصلى عليه. أخرجه الترمذي في سننه (١٠٦٩) وقال هذا حديث حسن صحيح..
٣ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/٣٦١، ٤١٧) والبخاري في صحيحه (٢٣٨٧) وابن ماجة في سننه (٢٤١١) عن أبي هريرة..
٤ عن جد زهرة بن معبد قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: والله يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه" قال فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر"، أخرجه الإمام احمد في مسنده (٤/٣٣٦)..
٥ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير أربعا منهن، أخرجه الترمذي في سننه (١١٢٨)، وابن ماجة في سننه (١٩٥٣) موصولا. وأخرجه الإمام مالك في موطئه مرسلا عن ابن شهاب الزهري بلفظ: "أمسك منهن أربعا، وفارق سائرهن"..
٦ حدث هذا مع عبد الرحمان بن عوف المهاجر من مكة، وسعد بن الربيع الأنصاري "حيث قال له سعد: أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان فامظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها لك. فقال له عبد الرحمان: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق" الخبر بطوله أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/١١٧)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي