ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ ، معناه: إنا عرَضنا الأمانةَ التي هي الشرائعُ والفرائض التي يتعلَّقُ بأدائها الثوابُ وبتركها العقاب. قال ابنُ عباس: (عُرِضَتِ الأَمَانَةُ عَلَى السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ الَّتِي زُيِّنَتْ بالنُّجُومِ وَحَمَلَتِ الْعَرْشَ الْعَظِيْمَ، فَقِيْلَ لَهُنَّ بأَخْذِ الأَمَانَةِ بَما فِيهَا، قُلْنَ: وَمَا فِيهَا، قِيلَ: إنْ أحْسَنْتُنَّ جُزِيتُنَّ، وَإنْ أسَأْتُنَّ عُوقِبْتُنَّ، قُلْنَ: لاَ. ثُمَّ عُرِضَتِ الأَمَانَةُ عَلَى الْجِبَالِ الصُّمِّ الشَّوَامِخِ الصِّلاَب الْبَوَاذِحِ).
فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا .
قال ابنُ جريج: (قَالَتِ السَّمَاءُ: يَا رَب خَلَقْتَنِي وَجَعَلْتَنِي سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَأجْرَيتَ فِيَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ، لاَ أعْمَلُ فرِيضَةً وَلاَ أبْتَغِي ثَوَاباً. وَقَالَتِ الأَرْضُ: يَا رَب جَعَلْتَنِي بسَاطاً وَمِهَاداً، وَشَقَقْتَ فِيَّ الأَنْهَارَ، وَأنْبَتَّ فِيَّ الأَشْجَارَ، لاَ أتَحَمَّلُ فَرِيضَةً وَلاَ أبْتَغِي ثَوَاباً وَلاَ عِقَاباً). ومعنى قولهِ: فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا أي مخافةً وخِشيَةً لا معصيةً ولا مخالفة، والعرضُ كان تَخييراً لا إلزاماً، قولهُ: وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا أي خِفْنَ من الأمانةِ أن لا توفِّيها، فيلحقهُنَّ العقابُ، فأَبَوا ذلك تَعظيماً لدِين الله وخَوفاً أن لا يقوموا به، وقالوا: نحنُ مسخَّرات لأمرِكَ لا نريدُ ثَواباً ولا عقاباً. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ، يعني: وحَملَها آدمُ عليه السلام قال الله له: يا آدمُ إني عرضتُ الأمانةَ على السَّماوات والأرض والجبالَ فأبَين أن يحمِلنَها ولم يُطِقْنَها، فهل أنتَ آخذُها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إنْ أحسنتَ جُزِيتَ، وإنْ أسأتَ عُوقِبْتَ. فتحمَّلها آدمُ، وقال: حَمَلتُها بين أذُنَيَّ وعاتِقي. قال ابنُ عباس: (عَرَضَ اللهُ عَلَى آدَمَ أدَاءَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَأدَاءَ الزَّكَاةِ عِنْدَ مَحِلِّهَا، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحِجِّ الْبَيْتِ، عَلَى أنَّ لَهُ الثَّوَابَ وَعَلَيْهِ الْعِقَابَ، فَقَالَ: بَيْنَ أُذُنَيَّ وَعَاتِقِي). وقال مقاتل: (قَالَ اللهُ تَعَالَى لآدَمَ: أتَحْمِلُ هَذِهِ الأَمَانَةَ وَتَرْعَاهَا حَقَّ رعَايَتِهَا؟ فَقَالَ آدَمُ: وَمَا لِي عِنْدَكَ؟ قَالَ: إنْ أحْسَنْتَ وَأطَعْتَ وَرَعَيْتَ الأَمَانَةَ، فَلَكَ الْكَرَامَةُ وَحُسْنُ الثَّوَاب فِي الْجَنَّةِ، وَإنْ عَصَيْتَ وَأَسَأْتَ مُعَذِّبُكَ وَمُعَاقِبُكَ. قَالَ: قَدْ رَضِيتُ يَا رَب، وَتَحَمَّلَهَا. فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ حَمَّلْتُكَهَا. فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً .
قال الكلبيُّ: (ظُلْمُهُ حَيْثُ عَصَى رَبَّهُ وَأُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَجَهْلُهُ حَيْثُ تَحْمَّلَهَا). وقال مقاتلُ: (ظَلُوماً لِنَفْسِهِ، جَهُولاً بعَاقِبَةِ مَا حُمِّلَ). وقال مجاهدُ: (لَمَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ وَالْجِبَالَ، عُرِضَتِ الأَمَانَةُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَقْبَلْهَا فَلَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَرَضَهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ تَحَمَّلْتُهَا يَا رَب. قال مجاهدُ: فَمَا كَانَ بَيْنَ أنْ تَحَمَّلَهَا وَبَيْنَ أنْ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ إلاَّ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالظُّهْرِ). وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: (إنَّ اللهَ قَالَ لآدَمَ: إنِّي عَرَضْتُ الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَلَمْ يُطِقْنَهَا، فَهَلْ أنْتَ حَامِلُهَا بمَا فِيهَا؟ قَالَ: يَا رَب وَمَا فِيهَا؟ قَالَ: إنْ حَفِظْتَهَا أُجِرْتَ، وَإنْ ضَيَّعْتَهَا عُوقِبْتَ، قَالَ: قَدْ تَحَمَّلْتُهَا. فَمَا بِقِيَ فِي الْجَنَّةِ إلاَّ كَقَدْر مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا). وقال زيدُ بن أسلَمْ: (الأَمَانَةُ هِيَ الصَّوْمُ وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ)، وقال بعضُهم: (هِيَ أمَانَاتُ النَّاسِ وَالَوَفَاءُ بالْعُهُودِ. فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُؤمِنٍ أنْ لاَ يَغُشَّ مُسْلِماً فِي شَيْءٍ لاَ قَلِيلٍ وَلاَ كَثِيرٍ). وقال السديُّ: (هِيَ ائْتِمَانُ آدَمَ ابْنَهُ قَابيلَ عَلَى أهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَذلِكَ أنَّ آدَمَ عليه السلام لَمَّا أرَادَ أنْ يَحُجَّ إلَى مَكَّةَ، قَالَ: يَا سَمَاءُ احْفَظِي أوْلاَدِي بالأَمَانَةِ، فَأَبَتْ وََقَالَ لِلأَرْضَ كَذلِكَ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلجِبَالِ كَذلِكَ، فَأَبَتْ. ثُمَّ قَالَ لابْنِِهِ قَابيلَ: أتَحْفَظُهُمْ بالأَمَانَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ فَتَجِدُ أهْلَكَ كَمَا يَسُرُّكَ. فَانْطَلَقَ آدَمُ وَرَجَعَ وَقَدْ قَتَلَ قَابيلُ هَابيلَ، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً يَعنِي قَابيلَ حِينَ حَمَلَ أمَانَةَ أبيهِ ثُمَّ لَمْ يَحْفَظْهَا).

صفحة رقم 2859

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل

عرض الكتاب
المؤلف

أبو بكر الحداد اليمني

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية