إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ( ٧٢ ).
٨٦٩- كل قلب هو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق، لأنه أمر رباني شريف، فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف، وإليه الإشارة بقوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إشارة إلى أن له خاصية تميز بها عن السماوات والأرض والجبال، بها صار مطيقا لحمل أمانة الله تعالى وتلك الأمانة هي المعرفة والتوحيد، وقلب كل آدمي مستعد لحمل الأمانة التي ذكرناها١، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :( كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه٢، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء )٣ إشارة إلى بعض هذه الأسباب التي هي الحجاب بين القلوب وبين الملكوت. ( الإحياء : ٣/١٦ ومعارج القدس في مدارج معرفة النفس : ٩٦ )
٨٧٠- كان الحس البصري رحمة الله عليه إذا تلا قوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا قال : عرضها على السماوات السبع الطباق والطرائق التي زينها بالنجوم وجملة العرش العظيم، فقال لها سبحانه وتعالى : هل تحملن الأمانة بما فيها ؟ قالت : لا، فقال لها : هل تحملين الأمانة بما فيها ؟ قالت : وما فيها ؟ فذكر الجزاء والعقوبة فقالت : لا، ثم عرضها على الإنسان فحملها، إنه كان ظلوما لنفسه جهولا بأمر ربه. ( الإحياء : ٣/٩٥ ).
أولها: نقصان في ذاته، كقلب الصبي فإنه لا تنجلي له المعلومات لنقصانه.
الثاني: لكدورة المعاصي والخبث الذي يتراكم على وجه القلب من كثرة الشهوات، فإن ذلك يمنع صفاء القلب وجلاءه فيمتنع ظهور الحق فيه لظلمته وتراكمه.
الثالث: أن يكون معدولا به عن جهة الجقيقة المطلوبة... وهي التأمل في حضرة الربوبية والحقائق الخفية الإلهية.
اارابع: الحجاب، فإن المطيع القاهر لشهوته المتجرد الفكر في حقيقة من الحقائق، قد لا ينكشف له ذلك لكونه محجوبا عنه باعتقاد مسبق إليه...
الخامس: الجهل بالجهة التي يقع منها العثور على المطلوب. ن الإحياء: ٣/١٦ (بتصرف)..
٢ رواه البخاري كتتاب الجنائز باب ما جاء في أولاد المشركين رقم الحديث: ١٣٩. ومسلم كتاب القدر باب كل مولود يولد على الفطرة رقم الحديث: ٢٦٥٨. ومالك كتاب الجنائز باب جامع الجنائز رقم الحديث: ٥٢..
٣ قال الحافظ العراقي: رواه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه. ن المغني بهامش الإحياء: ٣/١٠..
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي