وبعدما أبرز كتاب الله الأثر العميق الذي تحدثه طاعة الله ورسوله في حياة الإنسان المؤمن، وهو الفوز العظيم بسعادة الدنيا والآخرة، انتقل كتاب الله مباشرة إلى الحديث عن ( الأمانة العظمى ) التي انفرد بحملها الإنسان دون بقية الأكوان، أليس الإنسان هو الذي توجه الله في الملأ الأعلى بتاج الخلافة في الأرض ؟ أليس الإنسان هو الذي سخر الله له ما في السماوات والأرض وخلق له ما في الأرض جميعا ؟ أليس الإنسان هو الذي كرمه الله فخلقه في أحسن تقويم، وحمله في البر والبحر، وفضله على كثير ممن خلقه تفضيلا ؟ لذلك كله أصبح الإنسان يشعر من أعماق قلبه بأنه هو المخلوق الوحيد المؤهل لحمل تبعة الأمانة ومسؤولية التكليف، وأدرك تمام الإدراك أنه لا يكون منطقيا مع نفسه إلا إذا تقدم ورشح نفسه أمام ربه لهذه المهمة السامية وهذا العبء الجسيم، إيمانا منه بأن الحقوق والمزايا التي منحه الله إياها - تفضلا منه وكرما- لا يعقل أن يتمتع بها ويمارسها، دون أن يقوم بواجبات تقابلها، ويتحمل تبعات تستتبعها وتنشأ عنها.
وتمثيلا لعظمة قدر ( الأمانة ) التي رشح الإنسان نفسه لحملها، وتصويرا لخطورة مسؤوليتها وتبعاتها ضرب كتاب الله المثل بالسماوات والأرض، وخص منها الجبال بالذكر، لكونها أوتاد الأرض الصلبة، ورواسيها الثابتة، التي لها علاقة وثيقة باستقرارها وتوازنها، مبينا أن السماوات والأرض التي التزمت منذ نشأتها بطاعة الله طاعة مطلقة، قائمة على مجرد ( التسخير )، لا تريد أن تزج بنفسها في أمر التسيير والتدبير، ومن أجل ذلك أشفقت كل الإشفاق من عرض الأمانة عليها، واستعفت من حملها وتحمل مسؤوليتها، بالرغم مما تتوافر عليه من خصائص الطبيعية الكبرى التي لا نسبة بينها وبين خصائص الإنسان، لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ( ٥٧ : ٤٠ )، وإلى ذلك المثل يشير قوله تعالى هنا : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان .
وكما ضرب كتاب الله المثل في هذا السياق، بما عليه السماوات والأرض والجبال من إباء وإشفاق، سيضرب المثل في ( سورة الحشر ) بخشوع الجبل وتصدعه، من شدة التأثر بكتاب الله، والخشية من الله، إذ يقول ( ٢١ : ٥٩ ) : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون .
وتشمل ( الأمانة ) التي حملها الإنسان كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي، وشأن دين ودنيا، ويدخل في ذلك الحفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والنسل، وبالإجمال تشمل الأمانة قيام الإنسان بالواجبات كلها، أصولها وفروعها، على أن يتقبل العقاب إذا تخلى عنها، وينتظر الثواب إذا وفى بها، وكلما كان الشيء المؤتمن عليه مخفيا لا يطلع عليه إلا الله كان أحق بالحفظ وأولى بالرعاية.
وبعد ما نوه كتاب الله بشجاعة الإنسان وترشيح نفسه لحمل الأمانة، وقبوله لعرضها، والتزامه للقيام بحقها، أشار إلى ما يتعرض حياته من ضعف واختلال، يؤديان به إلى الانحراف والانحلال، وخلق الإنسان ضعيفا ( ٢٨ : ٤ )، فيظلم نفسه ويظلم غيره، ويتصرف في شؤونه تصرف الجاهل الذي لا يميز الضار من النافع، ولا يفرق بين الصالح والطالح، ذلك قوله تعالى تعقيبا على ما سبق : إنه كان ظلوما جهولا( ٧٢ ) ، أما ( ظلمه ) البالغ لنفسه وغيره، فلأن الأمانة هي صمام الأمان بالنسبة للفرد والجماعة، ومن خان الأمانة أفلت من يده الزمام، ولم يرع أي ذمام، وتعرض لتقلبات الدهر وعوادي الأيام. وأما " جهله " الفاضح، فلأن أبسط شيء من العلم والتجربة يقود الإنسان إلى الاقتناع بأن الأمانة هي محور الثقة التي يمكن أن يتمتع بها، وأساس السمعة الحسنة التي يحرص عليها، ومفتاح السعادة التي يطمح إليها، ومن خان الأمانة عاش في هم ونكد، وظل منبوذا من أهله وقومه طول الأمد، لكن من حسن حظ الإنسانية ما هي عليه من ازدواج وامتزاج، يعدل مزاجها، ويصلح حالها، فالظالم لا بد أن يجد من يحد من ظلمه، وهو أخوه الإنسان، الذي حمل أمانة العدل، والجاهل لا بد أن يجد من يحد من جهله، وهو أخوه الإنسان، الذي حمل أمانة العلم، ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ( ٢٥١ : ٢ )، وبذلك يضيق الخناق على من خان الأمانة من الجهلة والظالمين، إن الله لا يحب الخائنين ( ٥٨ : ٨ ).
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري