(١١٨٢) والثالث: أن قارون استأجر بغيّاً لتقذِف موسى بنفسها على ملأٍ من بني إِسرائيل فعصمها الله تعالى وبرّأ موسى من ذلك، قاله أبو العالية.
والرابع: أنهم رمَوه بالسِّحر والجنون، حكاه الماوردي.
قوله تعالى: وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً قال ابن عباس: كان عند الله تعالى حَظيّاً لا يسألُه شيئاً إِلاَّ أعطاه. وقد بيّنّا معنى الوجيه في سورة آل عمران «١». وقرأ ابن مسعود والأعمش، وأبو حيوة: «وكان عبد الله» بالتنوين والباء وكسر اللام.
قوله تعالى: وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً فيه أربعة قوال: أحدها: صواباً، قاله ابن عباس. والثاني:
صادقاً، قاله الحسن. والثالث: عدلاً، قاله السدي. والرابع: قصداً، قاله ابن قتيبة. ثم في المراد بهذا القول ثلاثة أقوال: أحدها: أنه «لا إِله إِلا الله»، قاله ابن عباس وعكرمة. والثاني: أنه العدل في جميع الأقوال، والأعمال، قاله قتادة. والثالث: في شأن زينب وزيد، ولا تنسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم إِلى ما لا يصلُح، قاله مقاتل بن حيّان. قوله تعالى: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ فيه قولان: أحدهما: يتقبَّل حسناتكم، قاله ابن عباس. والثاني: يزكِّي أعمالكم، قاله مقاتل. قوله تعالى: فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً أي: نال الخير وظفر به.
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٣]
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣)
قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ فيها قولان «٢» :
أحدهما: أنها الفرائض، عرضها الله على السّموات والأرض والجبال، إِن أدَّتها أثابها، وإِن ضيَّعَتْها عذَّبها، فكرهتْ ذلك وعرضها على آدم فقَبِلها بما فيها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وكذلك قال سعيد بن جبير: عُرضت الأمانة على آدم فقيل له: تأخذها بما فيها، إِن أطعتَ غفرتُ لك، وإِن عصيتَ عذَّبتُك، فقال: قَبِلتُ، فما كان إِلاَّ كما بين صلاة العصر إِلى أن غَرَبت الشمس حتى أصاب الذَّنْب. وممن ذهب إِلى أنها الفرائض قتادة والضحاك والجمهور.
والثاني: أنها الأمانة التي يأتمن الناس بعضهم بعضاً عليها. روى السدي عن أشياخه أن آدم لمَّا أراد الحج قال للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت، وقال للأرض، فأبت، وقال للجبال، فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وتجيء وتجد أهلك كما يسرُّك، فلما انطلق آدم قتل قابيل هابيل،
__________
(١) آل عمران: ٤٥.
(٢) قال الطبري رحمه الله في «تفسيره» ١٠/ ٣٤٢: إنه عني بالأمانة في هذا الموضع جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس، وذلك أن الله تعالى لم يخصّ بقوله بعض معاني الأمانات.
فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه، فذلك حيث يقول الله عزّ وجلّ: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ إِلى قوله:
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ وهو ابن آدم، فما قام بها.
وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين أن آدم لمّا حضرته الوفاة قال: يا ربِّ، من أستخلف من بعدي؟ فقيل له: اعرض خلافتك على جميع الخلق، فعرضها، فكلٌّ أباها غير ولده. وللمفسرين في المراد بعَرْض الأمانة على السّموات والأرض قولان: أحدهما: أن الله تعالى ركَّب العقل في هذه الأعيان، وأفهمهنَّ خطابه، وأنطقهنَّ بالجواب حين عرضها عليهنَّ، ولم يُرد بقوله: «أبَيْنَ» المخالَفَة، ولكنْ أَبَيْنَ للخَشية والمخافة، لأن العَرْض كان تخييراً لا إِلزاماً، و «أشفقن» بمعنى خِفْنَ منها أن لا يؤدِّينَها فيلحقهنَّ العقاب، هذا قول الأكثرين. والثاني: أن المراد بالآية: إنّا عرضنا الأمانة على أهل السّموات وأهل الأرض وأهل الجبال من الملائكة، قاله الحسن.
وفي المراد بالإِنسان أربعة أقوال: أحدها: آدم في قول الجمهور. والثاني: قابيل في قول السدي. والثالث: الكافر والمنافق، قاله الحسن. والرابع: جميع الناس، قاله ثعلب.
قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ظَلوماً لنفسه، غِرّاً بأمر ربِّه، قاله ابن عباس، والضحاك. والثاني: ظَلوماً لنفسه، جَهولاً بعاقبة أمره، قاله مجاهد. والثالث: ظَلوماً بمعصية ربِّه، جَهولاً بعقاب الأمانة، قاله ابن السائب.
وذكر الزجاج في الآية وجهاً يخالف أكثر الأقوال، وذكر أنَّه موافق للتفسير فقال: إِن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته، وائتمن السّموات والأرض والجبال على طاعته والخضوع له، فأمّا السموات والأرض فقالتا: أَتَيْنا طائِعِينَ «١» وأعلَمنا أن من الحجارة ما يَهْبِط من خَشية الله، وأن الشمس والقمر والنجوم والجبال والملائكة يسجُدون لله، فعرَّفنا اللهُ تعالى أنَّ السموات والأرض لم تحتمل الأمانة، لأنها أدَّتها، وأداؤها: طاعة الله وترك معصيته، وكلُّ من خان الأمانة فقد احتملها، وكذلك كلُّ من أثم فقد احتمل الإِثم، وكذلك قال الحسن: «وحملها الإِنسان» أي: الكافر والمنافق حَمَلاها، أي: خانا ولم يُطيعا فأمّا من أطاع، فلا يقال: كان ظلوماً جهولاً.
قوله تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ قال ابن قتيبة: المعنى: عَرَضْنا ذلك ليظهر نفاقُ المنافق وشِرك المشرك فيعذِّبهم الله، ويظهر إيمان المؤمنين فيتوب الله عليهم، أي: يعود عليهم بالرحمة والمغفرة إِن وقع منهم تقصير في الطاعات.
زاد المسير في علم التفسير
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
عبد الرزاق المهدي