ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان وهاهنا أبحاث الأول في أن الأمانة ما هي الثاني في أن المراد بالسماوات والأرض والجبال ما هي أعيانها أو أهلها كما في قوله تعالى : واسأل القرية ١ يعني أهلها والثالث عن المراد بالعرض الخطاب اللفظي التي فرض الله تعالى على عباده عرضها الله تعالى على السماوات والأرض والجبال يعني على أعيانها بالخطاب اللفظي على أن أداتها أثابهن وإن ضيعتها عذبهن وقال ابن مسعود الأمانة أداء الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وصدق الحديث والعدل في الكيل والوزن وأشد من هذا كله الودائع وقال مجاهد الأمانة أداء الفرائض وحفظ الدين وقال أبو العالية ما أمروا به ونهوا عنه وقال زيد بن أسلم هي الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع يعني ما لا مدخل للرياء فيه وقال عبد الله بن العاص أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال هذه أمانة استودعكها فالفرج أمانة والأذن أمانة والعين أمانة والرجل أمانة ولا إيمان لمن لا أمانة له وقال بعضهم هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير وهي رواية الضحاك عن ابن عباس ومرجع هذه الأقوال أن الأمانة هي التكليفات الشرعية والمراد بالسماوات والأرض أعيانها قال البغوي هذا قول ابن عباس وجماعة وأكثر السلف والعرض بالخطاب اللفظي قال البغوي قال الله تعالى لهن أتحملن هذه الأمانة بما فيها قلن وما فيها ؟ قال إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن فقلن لا يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا قلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين الله أن لا يتأذى منهن حقه لا معصية ومخالفة وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها وقيل المراد بالعرض الخطاب اللفظي وبالسماوات والأرض والجبال أعيانها وبالعرض اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن بآبائهن الآباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوما جهولا ما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية وعلى هذا يحسن أن يكون هذان الصفتان باعثتين للجمل عليه.
قال البيضاوي لعل المراد بالأمانة العقل أو التكليف ومن فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوتين حافظا لهما عن التعدي ومجاوزة الحدود الشرعية ومعظم مقصود التكليف تعديلها وكسر شوكتها وأيضا قال البيضاوي هذه الآية تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة وسماها أمانة من حيث أنها واجبة الأداء والمعنى أنها لعظم شأنها بحيث لو عرضت على الأجرام العظام وكانت ذات شعور وإدراك لأبت أن تحملها وأشفقت منها وحملها الإنسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوته لا جرم فاز الراعي بها والقائم بحقوقها بخير الدارين قلت ونظيره قوله تعالى : لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ٢١ ٢ فهذه الآية على هذا التأويل كأنه مثل ضرب وهذان القولان يعني قول من ارتكب التجوز في لفظ السماوات ونحوها وقول من ارتكب التجوز في العرض والخطاب مبنيان على استبعاد الخطاب مع الجمادات فقال بعضهم في دفع هذا الاستبعاد أنه تعالى لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهما وقال إني فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني ونارا لمن عصاني فقلن نحن مسخرات على ما خلقنا لا نحتمل فريضة ولا نبغي ثوابا ولما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فتحمله وكان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليه جهولا لو خامة عاقبته أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه وفيه فكان بين أن تحملها إلى أن أخرج من الجنة قدر ما بين الظهر والعصر.
وقيل في دفع الاستبعاد : إن الجمادات كلها وإن كانت غير عاقلة بالنسبة إلينا لكنها بالنسبة إلى الله تعالى عاقلة خاضعة مطيعة ساجدة له قال الله تعالى : للسماوات والأرض ائتنا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ٣ وقال الله تعالى : وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يهبط من خشية الله ٤ وقال الله تعالى : ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ٥ قيل المراد بالإنسان في قوله تعالى : وحملها الإنسان آدم عليه السلام قال الله تعالى لآدم إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها قال وأنت آخذ بما فيها قال يا رب وما فيها قال إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت فحملها آدم فقال بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى إذا قبلت فسأعينك وأجعل لبصرك حجابا فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل فضع عليه حجابه وأجعل للسانك كحيين وغالقا فإذا خشيت فأغلق وأجعل لفرجك لباسا فلا تكشف على ما حرمت عليك قال مجاهد فما كان بين أن حملها وبين ما خرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر قلت : لعل الحكمة في إخراجه من الجنة بعد حمل الأمانة أن الجنة ليست محلا لأداء الأمانة بل هي محل للثواب على أدائها فأخرج إلى الدنيا التي هي مزرعة الآخرة لأداء الأمانة قال البغوي حكي النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه مثلت الأمانة كصخرة ملقاة ودعيت السماوات والأرض والجبال إليها فلم يقربن منها وقلن لا نطيق حملها وجاء آدم من غير أن دعي وحرك الصخر وقال لو أمرت بحملها لحملتها فقال له احملها فحملها على ركبتيه ثم وضعها وقال والله إن أردت أن أزداد لزدت فقلن له أحمل فحملها حتى وضعها على عاتقه فأراد أن يضعها فقال الله تعالى مكانك فإنما هي في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة وذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني المراد بالأمانة الطاعة التي يعم الطبيعية والاختيارية وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من الاختيار وإرادة صدوره من غيره وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها ومنه قولهم حامل لأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها فيبرأ ذمته فيكون الإباء عنه إتيانها بما يمكن أن يتأتى والظلم والجهالة للخيانة والتقصير قال الله تعالى : ويحملون أثقالهم ٦ وحكي عن الحسن على هذا التأويل أنه قال وحملها الإنسان ويعني الكافر والمنافق حملا الأمانة أي خانا قال البغوي قال السلف هو الأول قلت ولما كان مقتضي سياق الآية اختصاص الإنسان بحمل الأمانة دون غيره من المخلوقات فالقول بأن الأمانة هي التكليفات الشرعية غير مناسب لاشتراك الجن والملائكة فيها ويلزم منه فضل الملائكة على الإنسان لأدائهم الأمانة بكمالها لعصمتهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون٢٠ ٧ بخلاف الإنسان لان منهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ومن ثم قالت الصوفية العلية المراد بالأمانة نور العقل ونار العشق فنور العقل يحصل به معرفة الله سبحانه بالاستدلال ونار العشق يحصل بها معرفة الله سبحانه بحرق الحجب والملائكة وإن كانوا عباد الله المقربين لكنهم مخلوقين في مقام معلوم من القرب والعرفان قال الله تعالى حكاية عنهم وما منا إلا له مقام معلوم ٨ فالترقي إلى المراتب الغير المتناهية بنار العشق إنما هو من خصائص الإنسان وعندي على ما استفدت من كلام المجدد للألف الثاني رضي الله عنه أن الأمانة ما أودع الله سبحانه في ماهية الإنسان من الاستعداد للتجليات الذاتية الدائمة فإن الجن وإن كان بعد الإيمان والإتيان بالأعمال الصالحة يلحق بالملائكة وتستعد للتجليات الصفاتية لكن التجلي الذاتي لا يتحملها من لا مزاح له من الأرض وهذا الاستعداد هو المستوجب للخلافة وهذا العلم هو المعنى بقوله تعالى للملائكة في حق آدم عليه السلام إني أعلم ما لا تعلمون ٩ يعني اعلموا أن التجلي الذاتي لا يتحملها من لا مزاح له من الأرض وإليه الإشارة بقوله تعالى : إنه كان ظلوما يعني مركبا للقوي السبعية الداعية إلى التفوق والتعلي المقتضية للترقيات إلى أعلى الشواهق جهولا مركبا للقوى البهيمية التي يطيق بها صاحبها تحمل رياضات ومشاق لا بد منها للعاشق في طلب وصل المحبوب فهو تعليل ومنقبة له وتلك القوتين جميعا ناشئتان من الأرض فإن مادة الأرض لكمال كثافة يتحمل التجلي الذاتي كما أن الأجرام الأرضية لكثافتها تتنور بنور الشمس دون الأجرام اللطيفة والملائكة المقربون منحصرون في مقاماتهم وولاياتهم وإن كانت ولا يتهم فوق ولاية الأنبياء لكونها مستفادة من الصفات من حيث البطون أعني من حيث قيامها بذات الله سبحانه وولاية الأنبياء من الصفات من حيث الظهور أعني من حيث هي لا من حيث قيامها بالذات ومن هذه الاعتبارات هي مبادئ لمبادي تعينات العالم لكن لاحظ للملائكة من التجلي الذاتي الذي هي كمالات النبوة ولأجل ذلك اختص النبوة بنوع البشر دون غيرهم وصار خواص البشر أي الأنبياء أفضل من خواص الملائكة وصارت الجنة للبشر والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ومن قال إن المراد بالأمانة التكليفات الشرعية وبتحملها قبولها بالاختيار فمعنى هذه الجملة عندهم أنه كان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليه جهولا بوخامة عاقبته وما يلحقه العذاب بترك أدائه وليس فيه مذمة للإنسان بل هي بيان للواقع وقال البيضاوي حين قال هذه الآية تقرير للوعد السابق ما معناه أن الأمانة مع عظم شأنها بحيث لا يطيق حملها الأجرام العظام لو فرضت ذات شعور وحملها الإنسان مع ضعف بنيته فاز الراعي لها بخير الدارين أن قوله : إنه كان ظلوما حيث لم يف بها ولم يراع حقها جهولا بكنه عاقبتها وصف للجنس باعتبار الأعم الأغلب وقال صاحب بحر المواج معناه أن الإنسان كان ظلوما حيث زعم نفسه قادرا على أداء ما أشفقت عنه السماوات وأمثالها ثم لم يؤدها جهولا لعجزه عن أدائها وهذا التأويل ليس عندي بمرض لأن تحمل الأمانة كان من آدم عليه السلام وهو المراد بالإنسان وهو كان نبيا معصوما قد أدى ما حمل عليه وضمير أنه راجع إلى من حمل وقالت الصوفية معنى الآية أنه أي الإنسان باعتبار أكثر أفراده كان ظلوما على نفسه حيث ضيع استعداده للمعرفة والتجليات الإلهية الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها جهولا يحسن ما فات عنه وقبح ما اكتسبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ١٠ الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة قلت : لما سمعت أن الظلم كناية عن القوة السبعية والجهل عن القوة البهيمية وحسن القوتين وقبحهما ليس إلا بحسب متعلقهما ومصرفهما ألا ترى أن القوة السبعية إن صرفت لدفع أعداء الدين من الشيطان وأمثاله وكسب التفوق والتعلي إلى مدارج القرب كانت حسنة إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص٤ ١١وأن الله يحب معالي الهمم وإن صرفت في قهر المعصومين والتكبر والتعلي في مقابله رب العالمين كانت قبيحة ألا لعنة الله على الظالمين ١٢ وإن الله لا يحب كل مختال فخور ١٣ وكذا القوة البهيمية إن صرفت في كسب السعادة كانت حسنة وإن صرفت في كسب اللذات كانت قبيحة لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ١٤ ولا شك أن حسن تعلقهما موقوف على تزكية النفس والقلب والعناصر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن في جسد بني آدم لمضغة إذا صلحت

١ سورة يوسف الآية: ٨٢..
٢ سورة الحشر الآية: ٢١..
٣ سورة فصلت الآية: ١١..
٤ سورة البقرة الآية: ٧٤..
٥ سورة الحج الآية: ١٨..
٦ الآية هي: وليحملن أثقالهم سورة العنكبوت: الآية: ١٣..
٧ سورة الأنبياء الآية: ٢٠..
٨ سورة الصافات الآية: ١٦٤..
٩ سورة البقرة الآية: ٣٠..
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز باب: ما قيل في أولاد المشركين ((١٣٨٥) وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٢٦٥٨)..
١١ سورة الصف الآية: ٤..
١٢ سورة هود الآية: ١٨..
١٣ سورة لقمان الآية: ١٨..
١٤ سورة البقرة الآية: ٢٨٦..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير