ﭣﭤﭥﭦﭧ

إِنَّ هذا لَهُوا البلاءُ المبينُ الاختبار البيّن، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو : المحنة البيّنة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يُفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان ؛ إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عَظُمَ الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن : تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمان، وذهاب زوجه للجبّار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلاً للرحمان. وأيضاً : الحق غيور، لا يُحب أن يرى في قلب خليله أو وليّه شيئاً سواه، فأمر بذبح ولده ؛ لإخراجه من قلبه، كما فرّق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبَه صلى الله عليه وسلم في عائشة صدِّيقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه.
قال القشيري : يُقال في القصة : أنه رآه راكباً على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأُمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظَهَرَ الفداء. وقيل له : كان المقصودُ من هذا فراغَ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة : أنه أمَرَ أباه أن يَشُدّ يديه ورِجْلَيه ؛ لئلا يضطربَ إذا مَسَّهُ ألمُ الذبح، فيُعاتَب، ثم لمَّا هَمَّ بذبحِه قال : افتح القيدَ عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أُعاتب، فيقول : أمشدودَ اليد جئتني ؟ وأنشدوا :

ولو بيدِ الحبيبِ سُقِيتُ سُمًّا لكان السُّمُّ من يدهِ يطيب
قيل : إن الولد كان أشدَّ بلاء، لأنه وَجَدَ الذبح من يد أبيه، ولم يتعوَّد منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد ؛ إذ لم يتوقعه منها. وقيل : بل إبراهيم أشد بلاء ؛ لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأتِ الولد بالدعوى، بل قال : إن شاء الله، فتأدّب بلفظ الاستثناء. ثم قال : ويقال : إنَّ الله ستر عليهما ما عَلِمَ أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مُضِيِّ وقت المحنة، لئلا يَبْطُلُ معنى الابتلاء، وهو توجُّع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [ يسند عيون التهدي إلى الحال ]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبيّن الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلاَّ لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه ؛ إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. هـ. ملخصاً.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير