وإن إلياس قرأ ابن ذكوان برواية النقاش عن الأخفش بحذف الهمزة والباقون بتحقيقها لمن المرسلين عطف على ولقد مننا روى عن عبد الله بن مسعود قال إلياس هو الإدريس وفي مصحفه إن إدريس لمن المرسلين وهذا قول عكرمة وقال الآخرون هو نبي من أنبياء بني إسرائيل، قال ابن عباس هو ابن عم اليسع، وقال محمد بن إسحاق هو إلياس بن بشر بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران عليه السلام، وقال أيضا محمد بن إسحاق والعلماء من أصحاب الأخبار لما قبض الله عز وجل قبله نبيا عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وظهر الشرك ونصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله فبعث الله إليهم إلياس نبيا وكانت الأنبياء من بني إسرائيل يبعثون بعد موسى بتجديد ما نسوا من التوراة، وبنوا إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام وكان سبب ذلك أن يوشع بن نون لما فتح الشام بوأها بني إسرائيل وقسمها بينهم فاحل سبطا منهم بعلبك ونواحيها وهم الذين كان منهم إلياس فبعثه الله إليهم نبيا وعليهم يومئذ ملك يقال له أجب فداخل قومه وأجبرهم على عبادة الأصنام وكان يعبد صنما يقال له بعل وكان طوله عشرون ذراعا ولها أربعة وجوه، فجعل إلياس يدعوهم إلى عبادة الله عز وجل وهم لا يسمعون منه شيئا إلا ما كان من أمر الملك فإنه صدقه وآمن به فكان إلياس يقوم أمره ويسدده ويرشده، وكانت لأجب امرأة يقال لها إزبيل فكان يستخلفها على رعيته إذا كان غائبا في غزاة وغيرها وكانت تبرز وتقضي للناس وكانت قتالة للأنبياء ويقال هي التي قتلت يحيى بن زكريا عليهما السلام – وكان لها كاتب رجل مؤمن حكيم يكتم إيمانه وكان قد خلص من يدها ثلاث مائة نبي كانت تريد قتل كل واحد منهم إذا بعث سوى الذين قتلتهم وكانت في نفسها غير محصنة وكانت قد تزوجت سبعة من ملوك بني إسرائيل وقتلت كلهم بالإغتيال وكانت معمرة يقال أنها ولدت سبعين ولدا.
وكان لأجب هذا جار رجل صالح يقال له مزدكي وكانت له جنينة يعيش منها ويقبل على عمارتها ومرمتها وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته وكانا يشرفان على تلك الجنينة يتنزهان فيهالا ويأكلان ويشربان ويغسلان فيها وكان أجب الملك يحسن جوار صاحبه مزدكي، ويحسن إليه وامرأته إزبيل تحسده لأجل تلك الجنينة وتحتال أن تغصبها منه لما تسمع الناس يكثرون ذكرها ويتعجبون من حسنها وتحتال أن تقتله والملك ينهاها من ذلك فلم تجد إليه سبيلا، ثم إنه اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد فطالت غيبته فاغتنمت امرأته إزبيل وأمرت رجالا يشهدوا على مزدكي أنه سب زوجها أجب فأجابوها إليه وكان في حكمهم في ذلك الزمان القتل على من سب الملك، فأقامت عليه البنية وأحضرت مزدكي وقالت بلغني أنك شتمت الملك فأنكر المزدكي وأحضرت الشهود فشهدوا عليه بالزور فأمرت بقتله وأخذت جنينته فغضب الله عز وجل عليهم للعبد الصالح، فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر فقال ما أحسنت ولا أرانا نفلح بعده فقد جاورنا منذ زمان وأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا فختمت أمره بأسوء الجوار قالت إنما غضبت لك وحكمت بحكمك، فقال لها ما كان يسعه حلمك فتحفظين له جواره قالت قد كانت ما كانت، فبعث الله إلياس إلى أجب الملك وقومه فأمره أن يخبرهم أن الله قد غضب لوليه حين قتلوه ظلما وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ولم يرد الجنينة إلى ورثة المزدكي أن يهلكهما يعني أجب وامرأته في جوف الجنينة ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى يتعرى عظامهما من لحومهما ولا يتمتعان بهما إلا قليلا، قال فجاء إلياس فأخبره بما أوحى الله إليه في أمره وأمر امرأته برد الجنينة فلما سمع الملك ذلك اشتد غضبه عليه ثم قال له يا إلياس ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلا وما أرى فلانا وفلانا " سمى ملوكا منهم " قد عبدوا الأوثان إلا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويتنعمون مملكين ما ينقص من دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، قال وهم الملك بتعذيب إلياس وقتله فلما أحس الشر رفضه وخرج عنه ولحق بشواهق الجبال وعاد الملك إلى عبادة البعل وارتقى إلياس على أصعب جبل وأشمخه فدخل مغارة فيه يقال أنه بقي سبع سنين شريدا خائفا يأوي إلى الشعاب والكهوف يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه وقد وضعوا عليه العيون والله يستره، فلما تم سبع سنين أذن الله في إظهاره وشفاء غيظه منهم فأمرض الله عز وجل إبنا لأجب وكان ذلك أحب ولده إليه وأشبههم به فادنف حتى يئس منه فدعا صنمه بعلا وكانوا قد فتنوا ببعل وعظموه حتى جهلوا له أربع مائة سادن، فوكلوهم به وجعلوهم أنبياء وكان الشيطان يدخل في جوف الصنم فيتكلم والأربع مائة يصغون بأذانهم إلى ما يقول الشيطان ويوسوس إليهم الشيطان بشريعة من الضلال فيبينونها للناس بها ويسمونهم أنبياء، فلما اشتد مرض ابن الملك طلب إليهم الملك أن يتشفعوا إلى بعل ويطلبوا لابنه من قبله الشفاء فدعوه فلم يجبهم ومنع الله الشيطان فلم يمكنه الولوج في جوفه وهم مجتهدون في التضرع إليه، فلما طال عليهم ذلك قالوا لأجب إن في ناحية الشام آلهة أخرى فابعث إليها أنبياءك فلعلها تشفع لك إلى إلهك بعل فإنه غضبان عليك ولولا غضبه عليك لأجابك، قال ومن أجل ماذا غضب علي وأنا أطيعه قالوا من أجل أنك لم تقتل إلياس وفرطت فيه حتى نجا سليما وهو كافر بإلهك، قال أجب وكيف لي أن اقتل إلياس وأنا مشغول عن طلبه لوجع ابني وليس لإلياس مطلب ولا يعرف له موضع فيقصد فلو عوفي ابني لفرغت لطلبه حتى أجده فأقتله فأرضي إلهي، ثم إنه بعث أنبياءه الربع مائة إلى الآلهة التي بالشام يسألونها أن تشفع إلى صنم الملك يشفي ابنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس أوحى الله إليه أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويكلمهم وقال له لا تخف فإني سأصرف عنك شرهم وألقي الرعب في قلوبهم، فنزل إلياس من الجبل فلما لقيهم استوقفهم فلما وقفوا قال لهم إن الله عز وجل أرسلني إليكم وعلى من ورائكم فاستمعوا أيها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم فارجعوا إليه وقولوا إن الله يقول ألست تعلم يا أجب إني أنا الله لا إله إلا أنا إله بني إسرائيل الذي خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم وقلة عملك حملك على أن تشرك بي وتطلب الشفاء لابنك من غيري ممن لا يملكون لأنفسهم شيئا إلا ما شئت إني حلفت باسمي لأغضبك في ابنك ولأميتنه في فوره غدا حتى تعلم أن أحدا لا يملك له شيئا دوني، فلما قال لهم هذا رجعوا وقد ملئوا منه رعبا، فلما صاروا إلى الملك أخبروه بأن إلياس قد انحط عليهم وهو رجل نحيف طوال قد نحل وتمعط شعره واقشعر جلده عليه جبة من شعر وعباءة قد خللها على صدره بخلال فاستوقفنا فلما صار معنا قذف له في قلوبنا الهيبة والرعب وانقطعت ألسنتنا ونحن في هذا العدد الكثير فلم نقدر أن نكلمه ونراجعه، حتى رجعنا إليك وقصوا عليه كلام إلياس.
فقال أجب لا ننتفع بالحياة ما كان إلياس حيا ولا يطاق إلا بالمكر والخديعة فقيض له خمسين رجلا من قومه ذوي القوة والبأس وعهد إليهم عهده وأمرهم بالاحتيال له والاغتيال له وأن يطمعوه في أنهم آمنوا به هم ومن وراءهم ليستنيهم إليهم ويغتر بهم فيمكنهم من نفسه فيأتون به ملكهم فانطلقوا حتى ارتفعوا ذلك الجبل الذي يسكن فيه إلياس ثم تفرقوا ينادونه بأعلى أصواتهم ويقولون يا نبي الله أبرز إلينا وامتن علينا بنفسك فإنا قد آمنا بك وصدقناك وملكنا أجب وجميع الناس وأنت آمن على نفسك وجميع بني إسرائيل يقرؤون عليك السلام ويقولون قد بلغتنا رسالتك وعرفنا ما قلت فآمنا بك وأجبناك إلى ما دعوتنا فهلم إلينا فأقم بين أظهرنا واحكم فينا فننقاد لما أمرتنا وننتهي عما نهيتنا.
وليس يسعك أن تتخلف عنا مع إيماننا بك وطاعتنا فأرجع إلينا، وكل هذا منهم مما كرة وخديعة فلما سمع إلياس مقالتهم وقع في قلبه وطمع في إيمانهم وخاف الله إن هو لم يظهر لهم فألهمه الله التوقف والدعاء فقال اللهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فأذن لي في البروز إليهم وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم فما استتم قوله حتى حصبوا بالنار من فوقهم فاحترقوا أجمعين، قال فبلغ أجب وقومه الخبر فلم يرتدع من همه بالسوء واحتال ثانيا في أمر إلياس وقيض إليه فئة أخرى مثل عددهم أولئك أقوى منهم وأمكن في الحيلة والرأي فأقبلوا حتى توقلوا قلل الجبال متفرقين وجعلوا ينادون يا نبي الله إنا نعوذ بالله بك من غضب الله وسطواته أنا لسنا كالذين أتوك قبلنا وإن أولئك فرقة نافقوا فصاروا إليك ليكيدوا من غير رأينا ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤنتهم فالآن قد كفاك ربك أمرهم وأهلكهم وانتقم لنا ولك منهم، فلما سمع إلياس مقالتهم دعى الله بدعوته الأولى فأمطر عليهم النار فاحترقوا عن آخرهم وفي كل ذلك ابن الملك في البلاء الشديد من وجعه.
فلما سمع الملك بهلاك أصحابه ثانيا ازداد غضبا إلى غضب وأراد أن يخرج إلى طلب بإلياس بنفسه إلا أنه شغله من ذلك مرض ابنه فلم يمكنه فوجه نحو إلياس المؤمن الذي هو كاتب امرأته رجاء أن يأنس به إلياس فينزل معه واظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءا وإنما أظهر له لما أطلع عليه من إيمانه وكان الملك مع إطلاعه على إيمانه مثنيا عليها هو عليه من الكفاية والأمانة وسداد الرأي، فلما وجهه نحوه أرسل معه فئة وأوغر إلى الفئة دون الكاتب أن يوثقوا إلياس ويأتوه به إن أراد التخلف عنهم وإن جاء مع الكاتب وأثقابه لم يروعوه ثم اظهر مع الكاتب الإنابة وقد قال له أنه قد آن لي وقد أصابتنا بلايا من حريق أصحابنا والبلاء الذي فيه ابني وقد عرفت أن ذلك بدعوى إلياس ولست آمنا أن يدعوا على جميع من بقي منا فنهلك بدعوته فانطلق إليه وأخبره أنا قد تبنا وأنبنا وأنه لا يأمرنا وينهانا ويخبرنا بما يرضي ربنا وأمر قومه فاعتزلوا وقالوا له أخبر إلياس أنا قد خلعنا آلهتنا التي كنا نعبد أرخينا أمرها حتى ينزل إلياس فيكون هو الذي يحرقها ويهلكها وكان ذلك مكرا من الملك، فانطلق الكاتب والفئة حتى علا الجبل الذي فيه إلياس ثم ناداه فعرف إلياس صوته فتاقت نفسه إليه وكان مشتاقا إلى لقائه فأوحى الله إليه أن أبرز إلى أخيك الصالح فالقه وجدد العهد به فبرز إليه وسلم عليه وصافحه فقال له ما الخبر فقال له المؤمن أنه قد بعثني إليك هذا الجبار الطاغي وقومه ثم قص عليه ما قالوا، ثم قال له وإني خائف إن رجعت إليه ولست معي أن يقتلني فمرني بما شئت أفعله إن شئت انقطعت إليك وكنت معك وتركته وإن شئت جاهدته معك وإن شئت ترسلني إليه بما تحب فأبلغه رسالتك وإن شئت دعوت ربك أن يجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا، فأوحى الله إلى إلياس أن كل شيء جاءك منهم مكر وخديعة وكذب ليظفروا بك وأن أجب الملك إن أخبرته رسله إنك لقد لفيت لهذا الرجل ولم يأت بك اتهمه وعرف أنه قد واهن في أمرك فلم يؤمن أن يقتله، فانطلق معه وإني سأشغل عنكما أجب فأضاعف على ابنه البلاء حتى لا يكون له هم غيره ثم أميته على شر حال فإذا مات هو فأرجع منه، قال فانطلق معهم حتى قدموا على أجب فلما قدموا شدد الله الوجع على ابنه وأخذ الموت بكظمه فشغل الله بذلك أجب وأصحابه عن إلياس فرجع إلياس سالما إلى مكانه، فلما مات ابن أجب وفرغوا من أمره وقل جزعه انتبه لإلياس وسأل عنه الكاتب الذي جاء به فقال ليس لي به شغ
التفسير المظهري
المظهري