ﮋﮌﮍﮎ

قوله تعالى : وإن يونس لمن المرسلين آية ١٣٩
عن ابن عباس قال : لما بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل قريته، فردوا عليه ما جاءهم به فامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه : إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا. ، . فأخرج من بين أظهرهم، فأعلم قومه الذي وعد الله من عذابه إياهم، فقالوا : ارمقوه فإن هو خرج من بين أظهركم، فهو والله كائن ما وعدكم. فلما كانت الليلة التي وعدوا العذاب في صبيحتها، أدلج فرآه القوم، فحذروا فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها. ثم عجوا إلى الله وأنابوا واستقالوا، فأقالهم وانتظر يونس عليه الخبر عن القرية وأهلها حتى مر مار فقال : ما فعل أهل القرية ؟ قال : فعلوا أن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم من العذاب فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها ثم عجوا إلى الله، وتابوا إليه فقبل منهم، وأخر، عنهم العذاب فقال يونس عليه السلام، عند ذلك : لا أرجع إليهم كذابا أبدا، ومضى على وجهه.
عن عبد الله بن الحارث قال : لما خرج يونس عليه السلام مغاضبا أتى السفينة، فركبها فامتنعت أن تجري فقال أصحاب السفينة : ما هذا إلا لحدث أحدثتموه ! فقال بعضهم لبعض : تعالوا حتى نقترع، فمن وقعت عليه القرعة فألقوه في الماء، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس عليه السلام، ثم عادوا فوقعت القرعة عليه في الثالثة، فلما رأى يونس ذلك قال : هو أنا، فخرج فطرح نفسه في الماء، فإذا حوت قد رفع رأسه من الماء قدر ثلاثة أذرع، فذهب ليطرح نفسه فاستقبله الحوت، فإذا هوى إليه ليأخذه فتحول إلى الجانب الآخر فإذا الحوت قد استقبله فلما رأى يونس عليه السلام ذلك عرف أنه أمر من الله فطرح نفسه، فأخذه الحوت قبل أن يمر على الماء، فأوحى الله إلى الحوت أن لا تهضم له عظما ولا تأكل له لحما حتى آمر بأمري بكذا وكذا وكذا. . . حتى ألزقه بالطين فسمع تسبيح الأرض فذلك حين نادى.
عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما ألقى يونس عليه السلام نفسه في البحر التقمه الحوت، هوى به حتى انتهى إلى مفجر من الأرض أو كلمة تشبهها، فسمع تسبيح الأرض فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فأقبلت الدعوة تحوم حول العرش فقالت الملائكة : يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا من بلاد غربة قال : وتدرون ماذا هم ؟ قالوا : لا يا ربنا قال : ذاك عبدي يونس قالوا : الذي كنا لا نزال نرفع له عملا متقبلا، ودعوة مجابة، قال : نعم قالوا : يا ربنا ألا ترحم ما كان يصنع في الرخاء، وتنجيه، عند البلاء قال : بلى، فأمر الحوت فحفظه ".
عن أبي هريرة رضي الله، عنه أن لفظه حين لفظه في أصل يقطينة وهي الدباء، فلفظه وهو كهيئة الصبي، وكان يستظل بظلها، وهيأ الله له أرواة من الوحش، فكانت تروح عليه بكرة وعشية فتفسخ رجليها، فيشرب من لبنها حتى نبت لحمه.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إن يونس عليه السلام كان وعد قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خروا، فجأروا إلى الله، واستغفروه فكف الله، عنهم العذاب، وغدا يونس عليه السلام ينتظر العذاب، فلم ير شيئا وكان من كذب ولم يكن له بينة قتل فانطلق مغاضبا حتى أتى قوما في سفينة، فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت والسفن تسير يمينا وشمالا فقال : ما بال سفينتكم ؟ ! قالوا : ما ندري ! قال : ولكني أدري أن فيها عبدا أبق من ربه، وإنها والله لا تسير حتى تلقوه، قالوا : أما أنت والله يا نبي الله فلا نلقيك. فقال لهم يونس عليه السلام : إقترعوا فمن قرع. فليقع، فاقترعوا فقرعهم يونس عليه السلام ثلاث مرات فوقع وقد وكل به الحوت، فلما وقع ابتلعه فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونس عليه السلام تسبيح الحصى فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، قال : فنبذ بالعراء وهو سقيم قال : كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها حين يبست، فأوحى الله إليه : أتبكي على شجرة أن يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم ؟ فخرج فإذا هو بغلام يرعى غنما فقال : ممن أنت يا غلام ؟ قال : من قوم يونس قال : فإذا رجعت إليهم، فأقرئهم السلام وأخبرهم أنك لقيت يونس، فقال له الغلام : إن تكن يونس فقد تعلم أنه من كذب ولم يكن له بينة قتل، فمن يشهد لي قال : تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة. فقال الغلام ليونس : مرهما فقال لهما يونس عليه السلام إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له قالتا : نعم. فرجع الغلام إلى قومه، وكان له إخوة فكان في منعة، فأتى الملك فقال : إني لقيت يونس وهو يقرأ عليكم السلام، فأمر به الملك أن يقتل فقال : إن له بينة، فأرسل معه، فانتهوا إلى الشجرة والبقعة فقال لهما الغلام : نشدتكما بالله هل أشهدكما يونس ؟ قالتا : نعم فرجع القوم مذعورين يقولون : تشهد لك الشجرة والأرض ! فأتوا الملك، فحدثوه بما رأوا فتناول الملك يد الغلام فأجلسه في مجلسه وقال : أنت أحق بهذا المكان مني وأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة.
حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر : أن يزيد الرقاشي حدثه : أنه سمع أنس بن مالك ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يونس النبي صلى الله عليه وسلم حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال : " اللهم، لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين " فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة : يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة ؟ فقال : أما تعرفون ذلك ؟ قالوا : يا رب، ومن هو ؟ قال : عبدي يونس قالوا : عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل، ودعوة مستجابة ؟ قالوا : يا رب، أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال : بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء.
عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : إن يونس بن متى كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة. ولها أثقال لا يحملها إلا قليل. تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فقذفها من يده، وخرج هاربا منها. يقول الله لنبيه : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تكن كصاحب الحوت .

تفسير ابن أبي حاتم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي الرازي

تحقيق

أسعد محمد الطيب

الناشر مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية
سنة النشر 1419
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية