نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٤:الآيتان ٥٤ و٥٥ [ وقوله تعالى ]١ : قال هل أنتم مُطّلِعون كأنه قال لأصحابه : هل أنتم مطّلعون في النار ؟ [ لتنظروا حاله ]٢، ثم أخبر أنه اطلع فرآه في سواء الجحيم .
ذكر اطلاعه، ولم يذكر اطلاع أصحابه. فجائز أن يكون أخبر عن اطلاع كل واحد منهم في نفسه أنه اطلع فرآه في سواء الجحيم أي وسط الجحيم. وإن كانوا جميعا مطّلعين إليه فيها، كقوله عز وجل : يا أيها الإنسان إنك كادح [ الانشقاق : ٦ ] وقوله : يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم [ الانفطار : ٦ ] وإن كان خاطب إنسانا فكأنه٣ خاطب به كل إنسان في نفسه.
فعلى ذلك جائز أن يكون قوله عز وجل فاطّلع فرآه في سواء الجحيم أنه٤ أخبر عن اطلاع كل منهم، والله أعلم، وكانوا جميعا مطّلِعين.
ثم في الآية شيئان٥ عجيبان :
أحدهما : ما ذكر من اطّلاع أهل الجنة على أهل النار [ أن النار ]٦ تكون قريبة من الجنة حتى ينظر بعضهم إلى بعض { فيروا كم[ ٧ تكون بعيدة منها. إلا أن أبصار أهل الجنة تكون أبعد وأبصر مما تكون في الدنيا.
فجائز أن يجعل الله عز وجل أبصار أهل الآخرة أبصر وأبعد حتى لا يمنعه بُعد المسافة والمكان عن النظر والرؤية، والله أعلم.
والثاني : أن يعرّفه في النار { والنار تحرقه، وتغير ]٨ وجهه ولونه، وجميع أعلامه، وسيماه.
لكن جائز أن يكون الله عز وجل يعرّفه بأعلام [ تجعل له ]٩ فيعرّفه بتلك الأعلام، وذلك على الله عز وجل يسير هيّن.
وأهل التأويل يقولون : يجعل الله عز وجل لأهل الجنة كوىً فيها : إذا أراد أن ينظر أحدهم إلى من في النار فتح الله له كوّة، ينظر إلى من يشاء من مقعده إلى النار، فيزداد بذلك شكرا، وهو قوله : فاطلع فرآه في سواء الجحيم أي في وسط الجحيم كقوله عز وجل سواء السبيل [ المائدة : ١٢ ] أي وسطه.
٢ في الأصل: لنظر ماله، في م، لينظر ما حاله..
٣ في الأصل و م: فإنما..
٤ في الأصل و م: إنما..
٥ في الأصل و م: سببان..
٦ في الأصل و م: أنها..
٧ في الأصل و م: فيرون أن..
٨ في الأصل: والنار مما تحرقه وتفنى، في م، ما يحرقه ويفنى..
٩ من م، في الأصل: يجعله..
الآية ٥٦ [ وقوله تعالى ]١ : قال تالله إن كدت لتُردينِ أي هممت لتُغويني. وكذا في حرف ابن مسعود لتُردين لتغويني.
وقال الكسائي : تالله، و : بالله، و : والله بغير واو لغات. يخبر أن بالله يكون على الأسف مرجعها إلى سفاه : يقول : لولا أن الله أنعم عليّ بالهدى، ولولا أن الله رحمني، فهداني، المعنى واحد، يقول له : اترك دينك، واتبعني.
و قال تالله إن كدت لتُردينِ أي لتُهلِكني، يقال : رديت فلانا، أي أهلكته، والرّدى الموت والهلاك، وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقوله تعالى : لمدينون قال بعضهم : لمُحاسَبون، وقال أبو عوسجة والقتبي : لمجزيّون. والدين الجزاء.
وقال [ بعضهم ]٢ : بيض مكنون أي مستور، لا يصيبه غبار ولا وسخ، وقوله : إن كدت لتدرين أي هممت، وأردت أن تهلكني، وتغويني، لو أجبتك، واتبعتك، في ما دعوتني إليه، وسألتني.
٢ ساقطة من الأصل و م..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم