ثم قال الله عزّ وجل : لمِثْلِ هذا فليعملِ العاملون أي : لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو : لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يُمكنهم الاجتهاد، فإنَّ الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثَمَّ، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد.
على مِثْلِ ليلى يَقْتُلُ المرءُ نَفْسَه وإِن بات من ليلى على اليأس طاويا. هـ.
الإشارة : تنسحب الآية من طريق الإشارة على مَن رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رُفع مع المقربين، فيقول لهم : إني كان قرين يُنكر طريقَ الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول : لولا نعمةُ ربي لكنتُ من المحضَرِينَ معك. قال القشيري : فيقول الوليُّ له : إن كدتَّ لتُردين، لولا نعمةُ ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يُصَرِّحوا بعين التوحيد ؛ إذ جَعَلوا الفضلَ واسطة، والأَوْلى أن يقول : ولولا ربي لكنتُ من المحضَرين. ثم يقول : لمثل هذا فليعملِ العاملون. ثم قال : فإذا بدت شظيةٌ، من الحقائق، أو ذَرةٌ من نسيم القربة، فبالحريِّ أَن يقول القائل : لمِثل هذا الحال تُبذلُ الأرواحُ، وأنشدوا١ :
| على مِثْلِ ليلى يَقْتُلُ المرءُ نَفْسَه | وإِن بات من ليلى على اليأس طاويا. هـ. |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي