ﭑﭒﭓﭔ

وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين وحدهم دون غيرهم كما يشعر به ضمير الفصل، وذلك لأن الله أهلك الكفرة بدعائه، ولم يبق منهم باقية، ومن كان معه في السفينة من المؤمنين ماتوا كما قيل، ولم يبق إلا أولاده. قال سعيد بن المسيب : كان ولد نوح ثلاثة، والناس كلهم من ولد نوح، فسام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب : السند. والهند، والنوب، والزنج، والحبشة، والقبط، والبربر وغيرهم. ويافث أبو الصقالب، والترك، والخزر، ويأجوج ومأجوج وغيرهم. وقيل : إنه كان لمن مع نوح ذرّية كما يدلّ عليه قوله : ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [ الإسراء : ٣ ]، وقوله : قِيلَ يا نوح اهبط بسلام مّنَّا وبركات عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [ هود : ٤٨ ]، فيكون على هذا معنى وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين وذرّيته وذرّية من معه دون ذرّية من كفر، فإن الله أغرقهم فلم يبق لهم ذرّية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين يقول : لم يبق إلا ذرية نوح وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ في الآخرين يقول : يذكر بخير. وأخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين قال : حام، وسام، ويافث. وأخرج ابن سعد، وأحمد، والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن سمرة أيضاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم». والحديثان هما من سماع الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه مقال معروف، وقد قيل : إنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة فقط، وما عداه فبواسطة. قال ابن عبد البرّ : وقد روي عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، والخطيب في تالي التلخيص عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ولد نوح ثلاثة : سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب، وفارس، والروم، والخير فيهم، وولد يافث يأجوج، ومأجوج، والترك، والصقالبة، ولا خير فيهم، وولد حام القبط، والبربر، والسودان» وهو من حديث إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب عنه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبراهيم قال : من أهل دينه. وأخرج عبد بن حميد عنه في قوله : إِنّى سَقِيمٌ قال : مريض. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال : مطعون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قال : يخرجون. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله : وَقَالَ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى قال : حين هاجر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى قال : العمل. وأخرج الطبراني عنه أيضاً قال : لما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق قال لأبيه : إذا ذبحتني، فاعتزل لا أضطرب، فينتضح عليك دمي فشده، فلما أخذ الشفرة، وأراد أن يذبحه نودي من خلفه أَن يا إبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا وأخرج أحمد عنه أيضاً مرفوعاً مثله مع زيادة. وأخرجه عنه موقوفاً. وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه من طريق مجاهد عنه أيضاً في قوله : وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبراهيم قال : من شيعة نوح على منهاجه وسننه فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي قال : شب حتى بلغ سعيه سعي أبيه في العمل فَلَمَّا أَسْلَمَا سلما ما أمر به وَتَلَّهُ وضع وجهه إلى الأرض.
فقال : لا تذبحني، وأنت تنظر عسى أن ترحمني، فلا تجهز علي. وأن أجزع، فأنكص، فأمتنع منك. ولكن اربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي إلى الأرض، فلما أدخل يده ليذبحه، فلم تصل المدية حتى نودي : أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فأمسك يده، قوله : وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ بكبش عظيم متقبل. وزعم ابن عباس : أن الذبيح إسماعيل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«رؤيا الأنبياء وحي» وأخرجه البخاري، وغيره من قول عبيد بن عمير، واستدل بهذه الآية. وأخرج ابن جرير، والحاكم من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق الشعبي، عن ابن عباس قال : الذبيح : إسماعيل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق مجاهد، ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال : الذبيح : إسماعيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير من طريق يوسف بن ماهك، وأبي الطفيل، عن ابن عباس قال : الذبيح : إسماعيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن ابن عمر في قوله : وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : إسماعيل ذبح عنه إبراهيم الكبش. وأخرج عبد بن حميد من طريق الفرزدق الشاعر قال : رأيت أبا هريرة يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول : إن الذي أمر بذبحه : إسماعيل. وأخرج البزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«قال نبي الله داود : يا رب أسمع الناس يقولون : رب إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فاجعلني رابعاً، قال : إن إبراهيم ألقي في النار، فصبر من أجلي، وإن إسحاق جاد لي بنفسه، وإن يعقوب غاب عنه يوسف، وتلك بلية لم تنلك» وفي إسناده الحسن بن دينار البصري، وهو متروك عن علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً نحوه. وأخرج الدارقطني في الأفراد، والديلمي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الذبيح إسحاق». وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«الذبيح إسحاق» وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وأخرج ابن مردويه عن بهار، وكانت له صحبة، قال : إسحاق ذبيح الله.
وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن مسعود قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : من أكرم الناس ؟ قال :«يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله» وأخرج عبد الرزاق، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : الذبيح إسحاق. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال : الذبيح إسحاق. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : الذبيح إسحاق.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ قال : أكبه على وجهه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال : صرعه للذبح. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب في قوله : وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : كبش أعين أبيض أقرن قد ربط بسمرة في أصل ثبير. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً. وأخرج عبد بن حميد عنه قال : فدي إسماعيل بكبشين أملحين أقرنين أعينين. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس : أن رجلاً قال : نذرت لأنحر نفسي، فقال ابن عباس : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، ثم تلا وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ، فأمره بكبش فذبحه. وأخرج الطبراني من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله : وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً مّنَ الصالحين قال : إنما بشر به نبياً حين فداه الله من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوّة عند مولده.
وبما سقناه من الاختلاف في الذبيح هل هو إسحاق أو إسماعيل ؟ وما استدل به المختلفون في ذلك تعلم أنه لم يكن في المقام ما يوجب القطع، أو يتعين رجحانه تعيناً ظاهراً، وقد رجح كل قول طائفة من المحققين المنصفين كابن جرير، فإنه رجح أنه إسحاق، ولكنه لم يستدل على ذلك إلا ببعض مما سقناه هاهنا، وكابن كثير فإنه رجح أنه إسماعيل، وجعل الأدلة على ذلك أقوى وأصح، وليس الأمر كما ذكره، فإنها إن لم تكن دون أدلة القائلين بأن الذبيح إسحاق لم تكن فوقها، ولا أرجح منها، ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء. وما روي عنه، فهو إما موضوع، أو ضعيف جدًّا. ولم يبق إلا مجرّد استنباطات من القرآن كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، وهي محتملة، ولا تقوم حجة بمحتمل، فالوقف هو الذي لا ينبغي مجاوزته، وفيه السلامة من الترجيح بلا مرجح، ومن الاستدلال بما هو محتمل.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية