فنطر عطف على قال نظرة في النجوم أي في مواقعها واتصالاتها أو في علمها أو في كتابها وهذا يدل على أن النظر في علم النجوم وتعليمه وتعلمه كان جائزا في شريعته لكن صار منسوخا في شريعتنا حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد " ١
رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس ورواه رزين وزاد " المنجم كاهن والكاهن ساحر والساحر كافر " والمعنى أن ثلاثتهم في الكفر بمنزلة واحدة، ويمكن أن يقال إنما يحرم النظر في علم النجوم إذا أسند الحوادث إلى الكواكب وأما إذا أسندها إلى الله سبحانه وجعل اتصالات النجوم علامات بحسب جري عادة الله على خلق بعض الأشياء عند تلك الاتصالات كما أن الله تعالى يخلق الشفاء غالبا عند شرب الدواء ويخلق الموت عند شرب السم ويخلق أفعال العباد عند القصد المصمم منهم فلا بأس به، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم إنما عن اقتباس علم النجوم لئلا يسند للناس الحوادث إلى الكواكب، عن زيد بن خالد الجهني قال صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال :" هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال : قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب " ٢ متفق عليه، وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين ينزل الغيث فيقولون بكوكب كذا وكذا " ٣ رواه مسلم، وقد ذكر الإمام محمد الغزالي رحمه الله في كتابه المنقذ من الضلال أن علم الطب والنجوم أنزلهما الله تعالى على بعض الأنبياء ثم بقي العلمان بأيدي الكفرة، ويدل على إفادة علم النجوم علما ظنيا مثل الطب إخبار المنجمين فرعون بولادة موسى وزوال ملكه على يديه.
وروى البخاري في الصحيح بسنده عن الزهري " أنه كان ابن الناطور " صاحب إيليا وهرقل " أسقفا على نصارى الشام يحدث أن هرقل لما قدم إيليا أصبح يوما خبيث النفس فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك " قال ابن الناطور وكان هرقل حزاء وينظر في النجوم " فقال لهم حين سألوه إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمة، قالوا ليس يختتن إلا اليهود فلا يهمنك شأنهم واكتب إلى مدائن ملكك فليقتل من فيهم من اليهود فبينما هو على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان بخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استخبره هرقل قال اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن وسأله عن العرب فقال هم يختتنون، فقال هرقل ملك هذه الأمة قد ظهر ثم كتب هرقل إلى صاحب له برؤيته وكان نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص ولم يرم بحمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي " ٤. قال الشيخ ابن حجر رواية الزهري موصولة لابن الناطور لا معلقة، قد بين أبو نعيم في دلائل النبوة أن الزهري قال لقيت ابن الناطور بدمشق في زمن عبد الملك ابن مروان وأظنه لم يتحمل عند ذلك إلا بعد أن أسلم. فإن هذا الحديث وأمثاله يدل على إفادة علم النجوم نوعا من العلم، لكن لما كان الاشتغال به موجبا لما ذكرنا من المفسدة وهو إسناد الحوادث إلى الكواكب وكان اشتغاله إضافة للأوقات لكونها غير نافعة في الدين نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاشتغال به والظاهر أن الاشتغال بعلم النجوم كان جائزا في دين عيسى عليه السلام وإلا لم يشتغل به علماء النصارى والله أعلم.
ومن زعم أن علم النجوم باطل لا أصل له قال إن هذا القول من إبراهيم كان إيهاما منه، قال ابن عباس كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروها عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزم الحجة عليهم في أنها غير مستحقة للعبادة وكان لهم من الغد عيد ومجمع فكانوا يدخلون على أصنامهم ويفرشون لهم الفراش ويضعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم زعموا التبرك عليه فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه وقالوا لإبراهيم تخرج غدا هنا إلى عيدنا فقال إني سقيم { ٨٩ }
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم ٨٤٦ وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، بيان: كفر من قال مطرنا بالنوء ٧١.
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان كفر من قال مطرنا بالنوء ٧٢..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ٧..
التفسير المظهري
المظهري