ﮒﮓﮔ

فلما نظر إلى النجوم، قال : إِني سقيمٌ إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل : إن علم النجوم كان حقًّا ثم نُسخ الاشتغال به.
والكذب حرام إلا إذا عرّض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام مِعْراض من الكلام، أي : سأسقم، أو : مَنْ في عنقه الموت سقيم، أو : سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيمُ بشيء من الكذب، وإنما عرّض. وأيضاً : إنما كان لمصلحة، وقد أُبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث :" ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه ؛ قوله : إِني سقيم ، وقوله : فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [ الأنبياء : ٦٣ ]، وقوله لسارة : هي أختي١ ".
قال السدي : خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال : إني سقيم أشتكي رجلي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كلُّ عبدٍ مأمور بكسر صنمه، وهو : ما تَرْكَنُ إليه نفسُه من حظٍّ، أو هوىً، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى : لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتلٌ لك، فإن ركنتَ إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويتَ إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأيّ حيلة لك، وأيّ قوة معك ؟ فارضنَا لك ربًّا حتى نرضاك لنا عبداً. هـ. ولا بأس أن يتعلّل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلّل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها تُوافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل :

فاحتلْ على النفس فرُبّ حيله أنفع في النصرة من قبيله


١ أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث ٣٣٥٨، ومسلم في الفضائل حديث ١٥٤..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير