ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

لا يزال كتاب الله يواصل وصفه " المعجز " لما أعده الله في دار البقاء، من نعيم يسعد به " المتقون "، وعذاب يشقى به " الطاغون ". ومما يستلفت النظر هنا ما أبرزه الاستعمال القرآني في هذا السياق بالخصوص، من المقابلة بين المتقين و الطاغين ، حيث قال تعالى : وإن للمتقين لحسن مآب( ٤٩ ) ، إذ من شأن " المتقي " أن يكون ملازما للاحتياط والحذر، واقفا عند حدود الله، بينما غير المتقي من شأنه أن يكون متجرئا على الله، منتهكا حرماته، لا يقف أي شيء دون انطلاق أهوائه وطغيان شهواته، فهو لا يعرف الحدود والقيود، ولا يحسب لها أدنى حساب، وبهذه المقابلة بين التقوى والطغيان، التي جاء بها القرآن، نستطيع أن نفهم روح التقوى، ونميز ملامح المتقين.
ومن المناسب في هذا المقام عقد مقارنة ولو على وجه الإجمال بين الوصف الذي وصف به كتاب الله أهل الجنة من المتقين ، والوصف الذي وصف به أهل النار من الطاغين ، فالآيات القرآنية في ختام الربع الماضي وبداية هذا الربع لم تعرج مطلقا على أي حديث يمكن أن يعتبر حديثا نابيا بين أهل الجنة فيما بينهم، لأنهم جميعا يعيشون عيشة راضية، وقد ألفت بينهم وحدة العقيدة، ووحدة السلوك، ووحدة المصير، إخوانا على سرر متقابلين ( ٤٧ : ١٥ )، بينما الآيات التي تسجل مشاعر الطاغين ، وهم في جهنم، وانطباعات بعضهم عن بعض، وردود الفعل للمحاورات والمجادلات التي يتبادلونها وهم يتلقون عذاب الله، كلها تصورهم وهم يتراشقون بالتهم والشتائم واللعنات، كلما دخلت أمة لعنت أختها ( ٣٨ : ٧ )، فعندما يفاجأ بعضهم بقدوم فريق جديد من الطاغين عليهم، ويقال : هذا فوج مقتحم معكم ، يرد ذلك البعض على هذه المقالة شامتا متشفيا ويقول : لا مرحبا بهم، إنهم صالوا النار( ٥٩ ) .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير