تمهيد :
يصف القرآن جهنم، كأنّ العين تنظر إليها، فأهلها يشربون الحميم الحار، والغسّاق عصارة أهل النار، أو البارد الزمهرير، وهناك أصناف أخرى من العذاب تحت بنود متعددة، ونجد حوارا بين القادة والزعماء من أهل جهنم وأتباعهم، فالقادة لا يرحبّون بأتباعهم، لأنهم من أهل جهنم، ولن يستفيدوا منهم شيئا، والأتباع يقولون لهم : بل أنتم لا مرحبا بكم . أنتم السبب في شقوتنا وضلالنا، ودخولنا جهنم فبئس المستقرّ والقرار جهنم، وتضرع الأتباع إلى الله أن يزيد الرؤساء ضعفا من النار، جزاء إضلالهم للآخرين، ويبحث أهل النار عن الفقراء الضعفاء من المؤمنين، أمثال : بلال، وصهيب، وعمار بن ياسر، وأبيه وأمه، هؤلاء الذين سخروا منهم ومن فقرهم، ولم ينظروا إليهم في الدنيا نظرة احترام، بل تجاوزوا النظر إليهم، وزاغت الأبصار عنهم إهمالا لشأنهم، والنتيجة أن هؤلاء الفقراء ينعمون بألوان النعيم في الجنة.
المفردات :
فوج : جمع كثير من أتباعكم في الضلال.
مقتحم معكم : داخل معكم، والاقتحام : ركوب الشدّة، والدخول فيها.
لا مرحبا بهم : لا رحبت عليهم الأرض ولا اتسعت.
صالوا النار : داخلون فيها.
التفسير :
٥٩- هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار .
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية :
إن القادة إذا دخلوا النار، ثم دخل بعدهم الأتباع، تقول الخزنة للقادة : هذا فوج داخل النار معكم، فيقول السادة : لا مرحبا بهم، والمراد بذلك الدعاء عليهم.
قال النابغة :
لا مرحبا بغد ولا أهلا به إن كان تفريق الأحبة في غد.
ونلاحظ دقة التعبير في الآية، فالفوج جمع غفير، ومقتحم معكم، داخل النار كرها وعلى غير اختيار، وإنما يساق سوقا إلى جهنم في ذلة ومهانة.
والرحب : السّعة، تقول مرحبا، أي : أتيت سعة وأهلا، فاستأنس ولا تستوحش، بخلاف لا مرحبا، فإنها على العكس، وهي تشير إلى أنهم لا يريدون لقاءهم، فصدورهم لا تتسع لهم، لأنهم صالوا النار مثلهم، فلا منفعة في لقائهم تقتضي الترحيب بهم، وهنا يتضح أمامنا أن أهل النار قد تقطعت الصِّلات بينهم، وفقدوا المودة والتناصر والتعاون الذي كان يربط بينهم في الدنيا، لأن الغشاوة قد أزيحت عن العيون، ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا.
وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : لقد تقطع بينكم... [ الأنعام : ٩٤ ].
ويقول تعالى : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين . [ الزخرف : ٦٧ ].
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة