نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٦:٢٢٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : أخبرنا أبو سعيد معاذ بن موسى الجعفري، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال بكير : قال مقاتل : أخذت هذا التفسير عن مجاهد، والحسن، والضحاك في قوله تبارك وتعالى : اِثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمُ الآية، أن رجلين نصرانيين من أهل دارين، أحدهما : تميمي، والآخر : يماني، صحبهما مولى لقريش في تجارة، فركبوا البحر ومع القرشي مال معلوم قد علَّمَه أولياؤه من بين آنية، وبَزٍّ١، ورِّقَةٍ٢، فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الداريين فمات، وقبض الداريان المال والوصية فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا٣ ببعض ماله، وأنكر القوم قلة المال فقالوا للداريين : إن صاحبنا قد خرج ومعه مال أكثر مما أتيتمانا به، فهل باع شيئا أو اشترى شيئا فوضع فيه ؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا، قالوا : فإنكما خُنتمانا، فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : يا أيها اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إلى آخر الآية.
فلما نزلت أن يحبسا من بعد الصلاة أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة فحلفا بالله رب السماوات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وأنّا لا نشتري بأيماننا ثمنا قليلا من الدنيا : وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اَللَّهِ إِنَّا إِذا لَّمِنَ الآثمين ٤ فلما حلفا خلَّى سبيلهما، ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت فأخذوا الداريين فقالا : اشتريناه منه في حياته وكذبا، فكلفا البينة فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : فَإِنْ عُثِرَ ٥ يقول : فإن اطلع عَلَى أَنَّهُمَا اَسْتَحَقَّا إِثْماً ٦ يعني الداريين، أي كتما حقا فآخران ٧ من أولياء الميت يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ اَلذِينَ اَسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوليان فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ٨ فيحلفان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي نطلب قبل الداريين لحق وَمَا اَعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذا لَّمِنَ اَلظَّـالِمِينَ ٩ هذا قول الشاهدين أولياء الميت
ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يأتوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَآ ١٠ يعني الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك١١.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : يعني من كان في مثل حال الداريين من الناس، ولا أعلم الآية تحتمل معنى غير حمله على ما قال، وإن كان لم يوضح بعضه، لأن الرجلين اللذين كشاهدي الوصية كانا أميني الميت، فيشبه أن يكون إذا كان شاهدان منكم أو من غيركم أمينين على ما شهدا عليه، فطلب ورثة الميت أيمانهما أحلفا بأنهما أمينان، لا في معنى الشهود.
فإن قال : فكيف تسمى في هذا الموضع شهادة ؟ قيل : كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة، وإنما معنى شهادة بينكم أيمان بينكم إذا كان هذا المعنى والله تعالى أعلم.
فإن قال قائل : فكيف لم تحتمل الشهادة ؟ قيل : ولا نعلم المسلمين اختلفوا في أنه ليس على شاهد يمين قبلت شهادته أو ردت ؟ ولا يجوز أن يكون إجماعهم خلافا لكتاب الله عز وجل، ويشبه قول الله تبارك وتعالى : فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اَسْتَحَقَّا إِثْماً ١٢ يوجد من مال الميت في أيديهما ولم يذكرا قبل وجوده أنه في أيديهما، فلما وُجِدَ ادعيا ابتياعه، فأحلف أولياء الميت على مال الميت، فصار مالا من مال الميت فإقرارهما وادعيا لأنفسهما شراءه، فلم تقبل دعواهما بلا بينة، فأحلف وارثاه على ما ادعيا، وإن كان أبو سعيد لم يبينه في حديثه هذا التبيين فقد جاء بمعناه.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : وليس في هذا رد اليمين، أين ما كانت يمين الداريين على ادعاء الورثة من الخيانة، ويمين ورثة الميت على ما ادعى الدَّارِيَّانِ مما وُجِدَ في أيديهما، وأقرَّا أنه للميت وأنه صار لهما من قِبله، وإنما أَجَزْنَا ردَّ اليمين من غير هذه الآية.
فإن قال قائل : فإن الله عز وجل يقول : أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ١٣ فذلك ـ والله تعالى أعلم ـ أن الأيمان كانت عليهم بدعوى الورثة أنهم اختانوا، ثم صار الورثة حالفين بإقرارهم أن هذا كان للميت وادعائهم شراءه منه، فجاز أن يقال : أن ترد أيمان تثنى عليهم الأيمان بما يجب عليهم إن صارت لهم الأيمان كما يجب على من حلف لهم، وذلك قول الله ـ والله تعالى أعلم ـ : يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ١٤ يحلفان كما أحلفا، وإذا كان هذا كما وصفت فليست هذه الآية بناسخة ولا منسوخة١٥ لأَمرِ الله عز وجل بإشهاد ذوي عدل منكم، ومن نرضى من الشهداء. ( الأم : ٤/٢٠٨-٢٠٩. ون أحكام الشافعي : ٢/١٤٧-١٥٣. )
ـــــــــــــــــــــــ
٢٢٣- قال الشافعي : ومن أجاز شهادة أهل الذمة فأَعدلهم عنده أعظمهم بالله شِرْكاً : أَسْجَدُهم للصليب وأَلْزَمُهم للكنيسة. فقال قائل : فإن الله عز وجل يقول حين الوصية : اِثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمُ اَوَ آخران مِنْ غَيْرِكُمُ ١٦.
قال الشافعي : والله أعلم بما أراد من هذا، وإنما يفسر ما احتمل الوجوه ما دلت عليه سنة أو أثر عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مخالف له، أو أمر اجتمعت عليه عوام الفقهاء. فقد سمعت من يتأول هذه الآية : على من غير قبيلتكم من المسلمين، ويحتج فيها بقول الله عز وجل : تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ إلى : اَلاَثِمِينَ ١٧ فيقول : الصلاة للمسلمين والمسلمون يتأثمون من كتمان الشهادة لله، فأما المشركون فلا صلاة لهم قائمة، ولا يتأثمون من كتمان الشهادة للمسلمين، ولا عليهم.
قال الشافعي : وسمعت من يذكر أنها منسوخة بقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ١٨ والله أعلم، ورأيت مفتي أهل دار الهجرة والسنة يفتون أن لا تجوز شهادة غير المسلمين العدول. قال الشافعي : وذلك قولي. ( الأم : ٦/١٤١-١٤٢. ون السنن الكبرى : ١٠/١٦٤. وأحكام الشافعي : ٢/١٤٤-١٤٦. )
ــــــــــــ
٢٢٤- قال الشافعي : والحجة فيما وصفت من أن يستحلف الناس فيما بين البيت والمقام، وعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد العصر قول الله عز وجل : تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ١٩، وقال المفسرون : هي صلاة العصر.
وقول الله عز وجل في المتلاعنين : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَن لَّعْنَتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ اَلْكَاذِبِينَ ٢٠ فاستدللنا بكتاب الله عز وجل على تأكيد اليمين على الحالف في الوقت الذي تعظم فيه اليمين بعد الصلاة. ( الأم : ٧/٣٦. ون أحكام الشافعي : ٢/١٥٥. والسنن الكبرى : ١٠/١٧٧. )
ــــــــــــ
٢٢٥- قال الشافعي : قال : فكيف يحلف من بالأمصار على العظيم من الأمر ؟ قلنا : بعد العصر كما قال الله عز وجل : تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ ٢١ وكما أمر ابن عباس ابن أبي مليكة بالطائف أن يحبس الجارية بعد العصر ثم يقرا عليها : إِنَّ اَلذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اِللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً ٢٢ ففعل فاعترفت٢٣.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : أخبرنا بذلك ابن مؤمل عن ابن أبي مُليكة٢٤ عن ابن عباس. ( الأم : ٧/٣٧. )
٢ - الرِّقَةُ: الفضة. ن القاموس الفقهي..
٣ - في جميع النسخ: « جاء » على صيغة المفرد، والصواب « جاءا » أي الداريين لأنه مثنى..
٤ - المائدة: ١٠٦..
٥ - المائدة: ١٠٧..
٦ - المائدة: ١٠٧..
٧ - المائدة: ١٠٧..
٨ - المائدة: ١٠٧..
٩ - المائدة: ١٠٧..
١٠ - المائدة: ١٠٨..
١١ - رواه البيهقي في كتاب الشهادات باب: ما جاء في قول الله عز وجل: يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو.. ١٠/١٦٥. قال البيهقي: وقد ثبت معنى ما ذكره مقاتل بن حيان عن أهل التفسير بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أنه لم يحفظ فيه دعوى تميم وعدي أنهما اشترياه، وحفظه مقاتل.
وأخرجه البخاري في الوصايا (٥٩) باب: قول الله تعالى: يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو.. اَلْفَاسِقِينَ
(٣٦)(ر٢٦٢٨) عن ابن عباس.
وأخرجه أبو داود في الأقضية (١٨) باب: شهادة أهل الذمة (١٧)(ر٣٦٠٦).
وأخرجه الترمذي في التفسير (٤٤)(ر٣٠٦٠) وقال: حديث حسن غريب..
١٢ - المائدة: ١٠٧..
١٣ - المائدة: ١٠٨..
١٤ - المائدة: ١٠٧..
١٥ - قال ابن عباس وابن المسيب: إنها منسوخة. وهو ما رواه البيهقي في كتاب الشهادات باب: قول الله:يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو... ١٠/١٦٤..
١٦ - المائدة: ١٠٦..
١٧ - المائدة: ١٠٦..
١٨ - الطلاق: ٢..
١٩ - المائدة: ١٠٦..
٢٠ - النور: ٦-٧..
٢١ - المائدة: ١٠٦..
٢٢ - آل عمران: ٧٧..
٢٣ - أخرج البيهقي في كتاب الشهادات باب: تأكيد اليمين بالزمان والحلف على المصحف: ١٠/١٧٨ عن الشافعي عن عبد الله بن مؤمل عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس رضي الله عنهما من الطائف في جاريتين ضربت إحداهما الأخرى ولا شاهد عليهما، فكتب إلي: أن احبسهما بعد صلاة العصر ثم اقرا عليهما
إِنَّ اَلذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اِللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ففعلت، فاعترفت.
وأخرجه الشافعي في الأم: ٧/٣٤..
٢٤ - عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة التيمي، أبو بكر، مؤذن ابن الزبير وقاضيه. سمع عائشة، وابن عباس. وعنه: أيوب والليث. قال: بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف فكنت أسأل ابن عباس. ت سنة: ١١٨هـ الكاشف: ٢/١٠٢. ون التهذيب: ٤/٣٨٥. وقال في التقريب: ثقة فقيه..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي