فإن عثر أي اطلع وأصلا العثر الوقوع على الشيء على أنهما يعني الوصين استحقا أي استوجبا وفعلا ما أوجب إثما بخيانتهما وأيمانهما الكاذبة وادعيا دعوى بالشراء أو نحو ذلك ليدفع عنهما تهمة الخيانة فآخران فشاهد أن آخر أن يقومان ليحلفا مقامهما مقام الوصيين، سمى الاثنان من الورثة شاهدين لأنهما بدعوى حقهما وتصديق الشرع لهما في أن الحق لهما يظهر أن إثم الشاهدين السابقين كأنهما شاهدان على إثمهما، وتخصيص الحلف باثنين من أقارب الميت لخصوص الواقعة التي نزلت لهما فإن كان وارث الميت واحدا يحلف هو أو أكثر من الاثنين يحلفوا جميعا حيث أنكروا ما ادعيا الوصيان من الشراء من الميت أو نحو ذلك من الذين استحق قرأ حفص على البناء للفاعل يعني من أهل الميت الذين استحق عليهم أي على الورثة الأولين من بين الورثة بالشهادة وذلك بسبب كونهما أقرب إلى الميت غير محجوبين بغيرهما من الورثة استحقا على سائر الورثة بأن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهر بهما كذب الوصيين، وعلى هذه القراءة الأوليان فاعل لاستحق والجار والمجرور متعلق به، وقرأ الباقون استحق على البناء للمفعول أسند إلى عليهم، وعلى حينئذ بمعنى في كما في قوله تعالى : على ملك سليمان ١أي في ملكه يعني استحق الحلفان الإثم الحالفان الإثم فيهم أي بسببهم والأوليان صفة للآخرين، وإنما جاز ذلك مع أن الأوليان معرفة وآخران نكرة لأنه لما وصف الآخران بقوله تعالى من الذين صار معرفة والظاهر أن أوليان بدل من آخران أو من الضمير في يقومان، ولا يلزم خلو الصفة عن الضمير لأن المبدل منه موجود إن كان في حكم المطروح ولكون البدل عين المبدل منه فهو يسد مسده كالظاهر موضع الضمير أو خبر مبتدأ محذوف أي هما الأوليان والمراد بالأوليان الأقربان إلى الميت الذين لم يحجبهما غيرهما، وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة ويعقوب الأولين على أنه صفة الذين أو بدل منه أو من الأولين الذين استحق عليهم وسموا أولين لأنهم كانوا أولين في الذكر في قوله شهادة بينكم فيقسمان بالله على خيانة الوصيين وكذبهما في دعوى الشراء ونحو ذلك ويقولان لشهادتنا أحق من شهادتهما يعني يميننا أحق بالقبول من يمينهما كما في قوله تعالى : فشهادة أحدهم أربع شهادة بالله إنه من الصادقين ٢ وما اعتدينا أي ما تجاوزنا الحق في أيماننا إنا إذا أي إذا إعتدينا لمن الظالمين الواضعين الباطل موضع الحق فلما نزلت هذه الآية قام رجلان من أولياء السهيم فحلفا هكذا في رواية البخاري، وفي رواية الترمذي فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا وسمى البغوي : الآخر المطلب بن وداعة السهمي حلفا بالله بعد العصر، ولعل حلف السهميان على عدم علمهما ببيع بديل الإناء من الوصيين، وروى الترمذي وضعه غيره من حديث ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية قال : يرى الناس منها غيري وغير عدي بن بداء كنا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام فأتينا الشام لتجارتنا وقدم علينا مولى لبنى سهم يقال له بديل بن أبي مهيم بتجارة ومعنى جام من فضة فمرض فأوصى إلينا وأمرنا أن تبلغا ما ترك أهله، فلما مات أخدنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا غير هذا دفع إلينا فلما أسلمت وتأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلما فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه فحلف فأنزل الله تعالى يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إلى قوله أن ترد أيمان بعد أيمانهم فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء
٢ سورة النور، الآية ٦..
التفسير المظهري
المظهري