ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

ودلت الآية على توجيه إنذار عام إذ قال تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي إن مصير الخلائق جميعا واحد، مصير المؤمنين ومصير المخالفين، وهو تعالى يجازيكم بأعمالكم.
الشهادة على الوصية حين الموت
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٦ الى ١٠٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)
الإعراب:
شَهادَةُ بَيْنِكُمْ مبتدأ، وإِذا حَضَرَ ظرف له ومعمول له، ولا يجوز أن يكون العامل فيه الْوَصِيَّةِ لوجهين: أحدهما- أنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف.
والثاني- أنه مصدر، والمصدر لا يعمل فيما قبله.
حِينَ الْوَصِيَّةِ بدل من إِذا وقيل: العامل فيه حَضَرَ.
اثْنانِ خبر المبتدأ، وتقديره: شهادة بينكم شهادة اثنين، ولا بد من هذا التقدير لأن شهادة لا تكون هي الاثنين.

صفحة رقم 95

أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ معطوف على قوله: اثْنانِ. تَحْبِسُونَهُما جملة فعلية في موضع رفع لأنها صفة آخَرانِ.
إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ: اعتراض بين الصفة والموصوف، واستغنى عن جواب اثْنانِ بما تقدم من الكلام: لان معنى اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ في معنى الأمر، وإن كان لفظه لفظ الخبر. واستغنى عن جواب إِذا أيضا بما تقدم من الكلام وهو قوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ لأن معناه: ينبغي أن يشهدوا إذا حضر أحدكم الموت. فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ الفاء فيه لعطف جملة على جملة، ويجوز أن يكون جواب شرط لأن تَحْبِسُونَهُما في معنى الأمر، فهي جواب الأمر الذي دل عليه الكلام، كأنه قال: «إن حبستموهما أقسما».
لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً جواب لقوله: فَيُقْسِمانِ لأن أقسم يجاب بما يجاب به القسم.
والهاء في مُصِيبَةُ تعود على الشهادة، إلا أنه عاد الضمير بالتذكير، لأنها في المعنى: قول، والحمل على المعنى كثير في كلامهم.
فَآخَرانِ: إما خبر مبتدأ مقدر وهو الأوليان، وتقديره: فالأوليان آخران. ويقومان:
صفة فَآخَرانِ. وإما خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالشاهدان آخران، والْأَوْلَيانِ بدل من ضمير يَقُومانِ. وإما مبتدأ، ويَقُومانِ: صفة له، والْأَوْلَيانِ: خبره. ومعنى الْأَوْلَيانِ: الأقربان إلى الميت.
لَشَهادَتُنا اللام: جواب لقوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لأن أقسم يجاب بما يجاب به القسم.
أَنْ يَأْتُوا: في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: أدنى بأن يأتوا.
البلاغة:
شَهادَةُ بَيْنِكُمْ جملة خبرية لفظا، إنشائية معنى، يراد بها الأمر، أي ليشهد بينكم.
المفردات اللغوية:
شَهادَةُ هي إخبار عن علم بواقعة بواسطة الحس البصري (المشاهدة) أو السمعي إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي أسبابه، وقوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ... اثْنانِ خبر بمعنى الأمر اي ليشهد اثنان عدلان، وإضافة شهادة لبين على الاتساع أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي من غير ملتكم ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ سافرتم لأن المسافر يضرب الأرض برجليه تَحْبِسُونَهُما توقفونهما، وهي صفة:
آخَرانِ مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ صلاة العصر واعتبارها للتغليظ فَيُقْسِمانِ يحلفان إِنِ

صفحة رقم 96

ارْتَبْتُمْ
شككتم فيهما أي في صدقهما فيما يقران به لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً أي ويقولان: لا نشتري بالله عوضا نأخذه بدله من الدنيا، بأن نحلف به أو نشهد كذبا لأجله.
وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى أي ولو كان المقسم له أو المشهود له ذا قرابة منا. إِنَّا إِذاً إن كتمناها الْآثِمِينَ العاصين عُثِرَ اطلع بعد حلفهما اسْتَحَقَّا إِثْماً أي ارتكبا فعلا يوقع في الإثم من خيانة أو كذب في الشهادة، بأن وجد عندهما مثلا ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما في توجه اليمين عليهما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الوصية، وهم الورثة الْأَوْلَيانِ بالميت، أي الأقربان إليه لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق وبورثته أرحم فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ على خيانة الشاهدين ويقولان: لَشَهادَتُنا يميننا أَحَقُّ أصدق مِنْ شَهادَتِهِما يمينهما وَمَا اعْتَدَيْنا تجاوزنا الحق في اليمين.
ذلِكَ الحكم المذكور من رد اليمين على الورثة أَدْنى أقرب إلى أَنْ يَأْتُوا أي الشهود أو الأوصياء بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة، أو أقرب إلى ان يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ على الورثة المدعين، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحوا ويغرموا فلا يكذبوا وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الخيانة والكذب وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به سماع قبول الْفاسِقِينَ الخارجين عن طاعته. والله لا يهديهم إلى سبيل الخير.
سبب النزول:
روى البخاري والدارقطني والطبري وابن المنذر عن عكرمة عن ابن عباس قال: «كان تميم الداري وعدي بن بدّاء رجلين نصرانيين، يتّجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النّبي صلّى الله عليه وسلّم حوّلا متجرهما إلى المدينة، فخرج بديل السهمي مولى عمرو بن العاص تاجرا حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعا تجارا إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل، فكتب وصية بيده، ثم دسّها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات فتحا متاعه فأخذا منه شيئا (إناء من فضة منقوشا بالذهب) ثم حجراه كما كان، وقدما المدينة على أهله، فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه، فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئا فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا.

صفحة رقم 97

فقالوا لهما: هذا كتابه بيده، قالوا: ما كتمنا له شيئا، فترافعوا إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ.. إلى قوله: إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ.
فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر: بالله الذي لا إله إلا هو، ما قبضنا غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم ظهر معهما إناء من فضة منقوش مموّه بالذهب، فقال أهله: هذا من متاعه، قالا: نعم، ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم فنزلت الآية: فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فأمر النّبي صلّى الله عليه وسلّم رجلين من أهل البيت أن يحلفا على ما كتما وغيّبا ويستحقانه.
ثم إن تميما الداري أسلم وبايع النّبي صلّى الله عليه وسلّم وكان يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء «١».
والخلاصة: اتفق المفسرون على أن سبب نزول هذه الآية هو تميم الداري وأخوه عدي النصرانيان حين خرجا إلى الشام للتجارة ومعهما بديل بن أبي مريم من بني سهم مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما مهاجرا.
المناسبة:
حكم سبحانه في الآية السابقة أن المرجع والمصير إليه بعد الموت، وأنه يحاسب الناس ويجازيهم على أعمالهم يوم القيامة، فناسب أن يذكر ما تتطلبه الوصية قبل الموت من إشهاد، حفاظا عليها وإثباتا لها لتنفيذها.
التفسير والبيان:
يا من صدقتم بالله ورسوله، ليشهد المحتضر على وصيته اثنين عدلين من

(١) تفسير الطبري: ٧/ ٧٥

صفحة رقم 98

الرجال المسلمين، فقوله مِنْكُمْ أي من المؤمنين وقوله: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي اقترب منه وظهرت أمارات الموت، أو يشهد للضرورة اثنين آخرين من غير المؤمنين في حال السفر، وذلك يدل على تأكيد الوصية والإشهاد عليها.
وهناك في الكلام حذف تقديره: إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم، ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما، وادعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما بعد الصلاة.
ووقت الشهادة: بعد صلاة العصر لأنها كانت معهودة للتحليف عندها وكان ذلك وقت القضاء وفصل الدعاوي، وكونها عقب الصلاة للتغليظ والتهويل لقوله تعالى: تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أي تقفونهما وتستوثقون منهما وتقدمونهما للحلف بعد العصر، كما فعل النّبي صلّى الله عليه وسلّم مع تميم وأخيه. وروي عن ابن عباس أن الشاهدين إذا كانا غير مسلمين، فالمراد بالصلاة: صلاة أهل دينهما. ورجح الطبري أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين لأن الله تعالى عرّف هذه الصلاة بالألف واللام، ولا يكون ذلك عند العرب إلا في معروف إما في جنسه أو عينه، وأما اليهود والنصارى فلهم صلوات عديدة غير واحدة، فيكون معلوما أنها المعنية بذلك في عرف القضاء والناس.
وإن شككتم في صدق الشاهدين وإقرارهما فيحلفان بقولهما: لا نشتري بيمين الله عوضا نأخذه من الدنيا بأن نحلف به كذبا، والمراد بالثمن عند الأكثرين:
المثمون وضمير مُصِيبَةُ يعود إلى القسم المفهوم من فَيُقْسِمانِ والمعنى:
لا نستبدل بصدق القسم بالله وصحته عرضا من الدنيا، ولو كان المقسم له أو المشهود له من أقاربنا، أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريبا منا، على معنى أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبدا، وأنهم داخلون

صفحة رقم 99

تحت قوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ «١». أما الأمين فيصدق بلا يمين.
والخلاصة: أن يحلف الشاهد بأن يقول الحق، ويشهد بالعدل، ولا يتأثر بعوض مالي يأخذه عوضا عن يمينه، ولا بمراعاة قريب له إن كانت الشهادة له.
وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ.. أي ويقولون في يمينهما أيضا: لا نكتم الشهادة التي أوجبها الله وأمر بحفظها وإظهارها من وقت التحمل إلى الأداء، كما قال:
وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ فإنا إن فعلنا ذلك، واشترينا بالقسم ثمنا أي عوضا أو راعينا به قريبا، أو كتمنا شهادة الله، كنّا من العاصين المتحملين إثما كبيرا نعاقب عليه.
فَإِنْ عُثِرَ أي اطلع على أمارة كذبهما أو خيانتهما وكتمانهما وأنهما فعلا ما أوجب الإثم، فترد اليمين إلى الورثة، فيحلف رجلان يقومان مقام الشاهدين، الأوليان بالميت أي من أقاربه الذين هم أحق بالإرث إن لم يوجد مانع شرعي، فيحلفان بالله لشهادتنا أي يميننا أحق وأصدق من أيمانهما، وما اعتدينا في طلب هذا المال وفي الحكم على الشاهدين بالخيانة، إنا إذا اعتدينا أو خوناهما وهما ليسا بخائنين لمن الظالمين، أي المبطلين الكاذبين. فالمراد بقوله:
لَشَهادَتُنا اليمين، كما قال تعالى: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ [النور ٢٤/ ٦]، والمراد بقوله: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ أي من الذين استحقت عليهم الوصية أو استحق عليهم الإيصاء، والأوليان بالميت: الأقربان منه.
وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها.

(١) الكشاف: ١/ ٤٨٨

صفحة رقم 100

وحكمة تشريع هذه الشهادة وهذه الأيمان: هي مطابقة الشهادة واليمين للواقع، لقوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى... أي أقرب أن يؤدي الشهداء الشهادة على وجهها الحقيقي بلا تبديل ولا تغيير، خوفا من عذاب الله، وهذه حكمة تغليظ الشهادة بكونها بعد العصر، أو خوفا من ردّ اليمين على الورثة، وفي ذلك الخزي والفضيحة بين الناس، فيظهر كذبهم بين الناس، فيكون الخوف من عذاب الله أو من ردّ اليمين مدعاة الصدق والبعد عن الخيانة.
ثم طوّق الله هذا التشديد على صدق الشهادة بباعث ذاتي دائم وهو تقوى الله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا.. أي راقبوا الله واحذروا عقابه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبة وأن تأخذوا مالا عليها وأن تخونوا من ائتمنكم، واسمعوا سماع تدبر وقبول لهذه الأحكام واعملوا بها، وإلا كنتم من الفاسقين: المتمردين الخارجين عن دائرة حكم الله وشرعه، المطرودين من هدايته، المستحقين لعقابه، والله لا يوفق من فسق عن أمر ربه فخالفه وأطاع الشيطان.
فقه الحياة أو الأحكام:
أكثر المفسرين- كما قال الطبري- على أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، ومن ادعى النسخ فعليه البيان، ثم صوّب الطبري القول بالنسخ، لأن المعمول به بين أهل الإسلام قديما منذ بعثة النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم وما بعد ذلك: أن إثبات الحق يكون إما ببينة المدعي أو بيمين المدعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة تصحح دعواه، وأن من ادعى سلعة في يده أنها له اشتراها من المدعي: القول قول المدعي بيمينه، إذا لم يكن لمن هي في يده بيّنة تثبت مدعاه «١».
وقد استنبط العلماء من هذه الآيات الثلاث ما يأتي من الأحكام:

(١) تفسير الطبري: ٧/ ٨١

صفحة رقم 101

١- الحض على الوصية والاهتمام بأمرها في السفر والحضر.
٢- الإشهاد عليها لإثباتها وتنفيذها.
٣- الأصل كون الشاهدين مسلمين عدلين.
٤- جواز شهادة غير المسلم على المسلم للضرورة أو الحاجة. وقد اختلف العلماء في هذا الحكم، فقال الجمهور من الفقهاء: قوله سبحانه: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ منسوخ لقوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [البقرة ٢/ ٢٨٢]، وقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أي من المؤمنين كما هو الظاهر [الطلاق ٦٥/ ٢] وآية الدين التي فيها: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ.. من آخر ما نزل، فهي ناسخة لما ذكر هنا، ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة، فجازت في الماضي شهادة أهل الكتاب، أما اليوم فوجد المسلمون في كل مكان، فسقطت شهادة الكفار، وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفسّاق لا تجوز، والكفار فسّاق فلا تجوز شهادتهم، فلا تجوز شهادة الكفار على المسلمين، ولا على بعضهم بعضا، للأدلة السابقة.
وقال أبو حنيفة: تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض، ولا تجوز على المسلمين: لأن آيات الشهادة بحسب السياق في كلها هي في الكلام عن المسلمين، وأما فيما بينهم فتقبل شهادتهم لقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران ٣/ ٧٥] فأخبر أن منهم الأمين على مثل هذا القدر من المال، فيكون أمينا على قرابته وأهل ملته بالأولى. ولقوله تعالى:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الأنفال ٨/ ٧٣] فأثبت لهم الولاية بعضهم على بعض، وهي أعلى رتبة من الشهادة.
وما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم برجل منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ائتوني بأربعة منكم يشهدون».
ثم إن أهل الذمة يتعاملون فيما بينهم بالبيع والإجارة والمداينة، وتقع بينهم

صفحة رقم 102

الجنايات والاعتداءات، ولا يكون لهم شهداء إلا من أنفسهم، ويتخاصمون إلى قضاة المسلمين، فإذا لم يحكم بينهم بشهودهم المرضيين عندهم، ضاعت حقوقهم، ووقع الظلم والفساد، فالحاجة ماسة إلى قبول شهادتهم بعضهم على بعض.
هذا هو الأرجح والمقبول عمليا. وكذلك في شهادة الكفار على المسلمين يؤخذ بقول الإمام أحمد: تجوز للضرورة حيث لا يوجد مسلم كالسفر لقوله تعالى: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ قال ابن تيمية: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضوع: هو ضرورة، يقتضي قبولها في كل ضرورة، حضرا وسفرا. ولو قيل: تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون، لكان له وجه إذ قد يقرب أجل المسلم في الغربة، ولا يجد مسلما يشهده على نفسه، وربما وجبت عليه زكوات وكفارات، وربما كان عنده وودائع أو ديون في ذمته، فإذا لم يشهد غير المسلمين ضاعت عليه مهماته ومصالحه.
٥- وآية تَحْبِسُونَهُما أصل في حبس من وجب عليه حق لأن التوثق للحقوق المالية إما بالرهن وإما بالكفالة، فإن تعذرا جميعا لم يبق إلا التوثق بالحبس حتى يحمله السجن على الوفاء بالحق، أو يتبين أنه معسر.
أما التوثق للحق البدني الذي لا يقبل البدل كالحدود والقصاص، فلا يمكن إلا بالسجن، روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم حبس رجلا في تهمة.
وروى أبو داود عن عمرو بن الشّريد عن أبيه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته»
عرضه:
يعزر بالتوبيخ، وعقوبته: حبسه.
٦- دل قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ على مشروعية اختيار الوقت الذي يؤثر في نفوس الشهود حالفي الأيمان رجاء أن يصدقوا في كلامهم. قال أكثر العلماء: يريد بالآية بعد صلاة العصر لأن أهل الأديان يعظمون ذلك

صفحة رقم 103

الوقت، ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة. جاء
في الحديث الصحيح «من حلف على يمين كاذبة بعد العصر، لقي الله، وهو عليه غضبان».
٧- الآية أصل في التغليظ في الأيمان، بأن يقول الحالف ما يرجى ان يكون رادعا له عن الكذب.
والتغليظ يكون بأربعة أشياء:
أ- الزمان كما هو مذكور في الآية.
ب- المكان: كالمسجد والمنبر، خلافا للبخاري والحنفية حيث يقولون:
لا يجب استحلاف أحد عند منبر النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا بين الركن والمقام لا في قليل الأشياء ولا في كثيرها.
وقال مالك والشافعي: أيمان القسامة بين الركن والمقام في مكة لمن كان فيها أو في توابعها، وعند المنبر النبوي لمن كان في المدينة وتوابعها. وتغلظ الأيمان في الدماء والطلاق والعتاق في رأي الشافعي.
ج- الحال: ذكر مظرّف وابن الماجشون وبعض الشافعية: أنه يحلف قائما مستقبل القبلة لأن ذلك أبلغ في الردع والزجر. وقال ابن كنانة: يحلف جالسا.
د- التغليظ باللفظ: قالت طائفة: يحلف بالله لا يزيد عليه لقوله تعالى: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ وقوله: قُلْ: إِي وَرَبِّي وقوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ.
وقال مالك: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عندي حق، وما ادّعاه علي باطل،
لما رواه أبو داود عن ابن عباس أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال لرجل حلّفه: «احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ماله عندك شيء»
يعني للمدعي.

صفحة رقم 104

وقال الحنفية: يحلف بالله لا غير، فإن اتهمه القاضي، غلظ عليه اليمين، فيحلفه «بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور».
وزاد الشافعية: التغليظ بالمصحف. وقال أحمد: لا يكره ذلك.
٨- قدر المال الذي يحلف به: قال مالك: لا تكون اليمين في أقل من ثلاثة دراهم، قياسا على حد القطع في السرقة. وقال الشافعي: لا تكون اليمين في ذلك في أقل من عشرين دينارا قياسا على الزكاة، وكذلك عند منبر كل مسجد.
٩- الأصل قبول أخبار الشهود وتصديقهم دون يمين لقول الله تعالى:
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وشرط في تحليف الشاهدين الارتياب في خبرهما، فإذا لم يكن الشاهدان عدلين وارتاب الحاكم بقولهما حلّفهما، بدليل قوله تعالى:
إِنِ ارْتَبْتُمْ ومتى لم يقع ريب فلا يمين. وأصبح تحليف الشهود السمة العامة في المحاكم الحالية. وسبب الريبة في الآية: هو الاحتياط لقبول شهادة الكافر بدلا عن شهادة المسلم للضرورة. وقد حلف ابن عباس المرأة التي شهدت بالرضاع.
١٠- تجيز الآية شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم: وهذا مخالف للمقرر في الشريعة: أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. وهو محض العدل، وقد أجاب الجمهور بأن حكم الآية هذا منسوخ.
وأما جواب القائلين بأن الآية محكمة غير منسوخة: فهو قبول يمين المدعي بسبب العثور على خيانة المدعى عليه واستحقاقه الإثم، وهذا موافق للأصول حيث يتقوى جانب المدعي بالشاهد، أو بنكول خصمه عن اليمين، أو قوة جانبه باللوث (القرينة على القتل)، أو قوة جانبه بشهادة العرف في تداعى

صفحة رقم 105

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية