ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيرهم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين ١٠٦ فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ١٠٧ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين ١٠٨ .
جاء في أسباب نزول هذه الآيات ومعناها في الدر المنثور ما نصه :
أخرج الترمذي١ وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو الكلبي عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت قال برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء وكانا نصرايين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبنى سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو أعظم تجارته فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله، قال تميم فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا ما ترك غير هذا وما دفع إليه غيره. قال تميم فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها. فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف، فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم – إلى قوله – أن ترد أيمان بعد أيمانهم فقام عمرو بن العاصي ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء.
وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي٢ وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله ما كتمتماها ولا اطلعتما ثم وجدوا الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله : لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم، وأخذا الجام وفيه نزلت يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : كان تميم الداري وعدي بن بداء رجلين نصرايين يتجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم حولا متجرهما إلى المدينة فخرج بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاصي تاجرا حتى قدم المدينة فخرجوا جميعا تجارا إلى الشام حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما فلما مات فتحا متاعه فأخذا منه شيئا ثم حجراه كما كان وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئا فسألوهما عنه فقالوا هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا، فقالوا لهما هذا كتابه بيده، قالوا ما كتمنا له شيئا، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت – إلى قوله – إنا إذا لمن الآثمين ( ١٠٦ ) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب، فقال أهله هذا من متاعه، قالا نعم ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية الأخرى : فإن عثر على أنهما استحقا إثما
فإن عثر على أنهما استحقا إثما فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه، ثم إن تميما الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول : صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء. ثم قال : يا رسول الله إن الله يظهرك على أهل الأرض كلها فهب لي قريتين من بيت لحم وهي القرية التي ولد فيها عيسى فكتب له بها كتابا، فلما قدم عمر الشام أتاه تميم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر أنا حاضر ذلك فدفعها إليه.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ شهادة بينكم مضاف برفع شهادة بغير نون وبخفض بينكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي عن أبي طلحة عن ابن عباس يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم هذا لمن مات وعنده المسلمون أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين ثم قال : أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين أمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد الصلاة ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلا، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، فذلك قوله تعالى : فإن عثر على أنهما استحقا إثما يقول إن اطلع على الكافرين كذبا قام الأولياء فحلفا أنهما كذبا، ذلك أدنى أن يأتي الكافران بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم، فتترك شهادة الكافرين ويحكم بشهادة الأولياء، فليس على شهود المسلمين أقسام إنما الأقسام إذا كانا كافرين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله اثنان ذوا عدل منكم قال من أهل الإسلام أو آخران من غيركم قال من غير أهل الإسلام وفي قوله فيقسمان بالله يقول يحلفان بالله بعد الصلاة وفي قوله : فآخران يقومان مقامهما قال من أولياء الميت فيحلفان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما يقول فيحلفان بالله ما كان صاحبنا ليوصي بهذا أنهما لكاذبان، وفي قوله : ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم يعني أولياء الميت فيستحقون ماله بأيمانهم ثم يوضع ميراثه كما أمر الله وتبطل شهادة الكافرين وهي منسوخة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية اثنان ذوا عدل منكم قال ما من الكتاب إلا قد جاء على شيء جاء على إدلاله غير هذه الآية، ولئن أنا لم أخبركم بها لأنا أجهل من الذي يترك الغسل يوم الجمعة : هذا رجل خرج مسافرا ومعه مال فأدركه قدره فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإن أدى فسبيل ما أدى، وإن هو جحد استحلف بالله الذي لا إله إلا هو دبر صلاة أن هذا الذي وقع إلي وما غيبت شيئا، فإذا حلف برئ، فإذا أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه، فذلك الذي يقول الله ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم .
هذا ما ورد في سبب نزول هذه الآيات وتفسير بعضها من قوي وضعيف وأما وجه اتصالها بما قبلها مباشرة فقد قال الرازي فيه : إنه تعالى لما أمر بحفظ النفس في قوله :( عليكم أنفسكم ) أمر بحفظ المال في قوله : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم اه وهذا قول غير ظاهر بل لا يصح على المعنى المعروف عند العلماء لحفظ النفس والمال إلا أن يحمل الكلام على لازم معناه. وأظهر منه أن يقال إنه تعالى لما ذكرنا في آخر الآية السابقة بأن مرجعنا إليه بعد الموت وأنه يحاسبنا ويجازينا ناسب أن يرشدنا في إثر ذلك إلى الوصية قبل الموت وإلى العناية بالإشهاد عليها لئلا تضيع.
وأما مفرداتها التي يحسن التذكير بمعناها قبل تفسير النظم الكريم فمنها ( الشهادة ) وهي كالشهود حضور الشيء مع مشاهدته بالبصر أو البصيرة أو مطلقا – كما قال الراغب – قال : لكن الشهود بالحضور المجرد أولى، والشهادة مع المشاهدة أولى... والشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر... و»شهدت» يقال على ضربين أحدهما جار مجرى العلم وبلفظه تقام الشهادة ويقال «أشهد بكذا» ولا يرضى من الشاهد أن يقول :«أعلم» بل يحتاج أن يقول «أشهد» والثاني يجري مجرى القسم فيقول :«أشهد بالله أن زيدا منطلق» فيكون قسما، ومنهم من يقول : إن قال :«أشهد» ولم يقل «بالله» يكون قسما، ويجري «علمت» مجراه في القسم فيجاب بجواب القسم، نحو قول الشاعر :
ولقد علمت لتأتين منيتي٣
اه مخلصا. وقد ترد بمعنى الإقرار بالشيء.
و( البين ) : أمر اعتباري يفيد صلة أحد الشيئين بالآخر أو الأشياء من زمان أو مكان أو حال أو عمل، وقالوا إنه يطلق على الوصل والفرقة، ومن الثاني قولهم «ذات البين» للعداوة والبغضاء. قال تعالى : وأصلحوا ذات بينكم [ الأنفال : ١ ] أي ما بينكم من عداوة أو فساد، وهو أمر معنوي متصل بين الأفراد.
ومنها : ضربتم في الأرض [ النساء : ١٠١ ] أي سافرتم وتقدم في سورة النساء. ومنها :( تحبسونهما ) وهو من الحبس بمعنى إمساك الشيء ومنعه من الإنبعاث. والحبس مصنع الماء التي يمنع فيه من الجريان. ومنها :( عثر ) وهو من العثور على الشيء بمعنى الاطلاع عليه بالاتفاق من غير سبق طلب له أو من غير حسبان، أو عثره عليه – أوقفه عليه وأعلمه به من حيث لم يكن يتوقع ذلك. وأصله من عثر ( كقعد ) عثارا وعثورا إذا سقط.
وأما معنى الآيات وتفسير نظمها فنبينه بما يلي :
فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان قرأ الجمهور «استحق » بضم التاء على البناء للمفعول، وحفص عن عاصم بفتح التاء بالبناء للفاعل وهي مروية عن علي وابن عباس وأبي، وقرأ يعقوب وخلف وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر عنه ( الأولين ) جمع الأول الذي يقابله آخر، مع قراءتهم استحق بالبناء للمفعول، وقرأه الباقون ( الأوليان ) مثنى الأولى سواء منهم من قرأ استحق بالبناء للمفعول ومن قرأه بالبناء للفاعل، ورسم الأوليان والأولين في المصحف الإمام واحد وهو هكذا ( الأولين ). والمعنى فإن اتفق الاطلاع على أن الشهيدين المقسمين استحقا إثما بالكذب أو الكتمان في الشهادة أو بالخيانة وكتمان شيء من التركة في حالة ائتمانهما عليها – كما ظهر في الواقعة التي كانت سبب النزول – فالواجب أو فالذي يعمل لإحقاق الحق هو أن يرد اليمين إلى الورثة بأن يقوم رجلان آخران مقامهما من أولياء الميت الوارثين له الذين استحق ذلك الإثم بالإجرام عليهم والخيانة لهم، وهذان الرجلان الوارثان ينبغي أن يكونا هما الأوليين بالميت أي الأقربين إليه الأحقين بإرثه إن لم يمنع من ذلك مانع – كما تفيده قراءة الجمهور – أو غيرهما منهم كما تفيده قراءة من قرأ ( الأولين ) وهو صفة للذين استحق عليهم أو منصوب على الاختصاص.
وتحمل القراءة الأولى على طلب الأكمل وهو أن يشهد أقرب الورثة إلى الميت. والقراءة الثانية على ما إذا منع مانع من إقسام أقرب الورثة أو كانت المصلحة في حلف غيره منهم لامتيازه بالسن أو الفضيلة، هذا إذا أريد بالأوليين الأوليان بأمر الميت الموصي، ويجوز أن يراد بهما الأوليان بالقسم في هذه الحالة، أي أجدر الورثة باليمين لقربهما من الميت أو لعلمهما أو لفضلهما. وأما قراءة حفص عن عاصم – وبها يقرأ أهل بلادنا – فقال أكثر المفسرين في توجيهها أن «الأوليان » فيها فاعل استحق والمفعول محذوف والتقدير : من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان بأمر الميت منهم ما أوصى به أو ما تركه – أو ندبهما للشهادة.
وذهب الإمام الرازي إلى أن الأوليين في هذه القراءة هما الوصيان قال : ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما – بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان، وقرأ الحسن الأولان ووجهه ظاهر مما تقدم اه.
أقول : الوجه عندي في ذلك أنهما الأوليان باليمين في الأصل لأنهما منكران واليمين على من أنكر، وكان المقام مقام الإضمار – بأن يقال : من الذين استحقا عليهم الإثم – فوضع المظهر وهو الأوليان موضع الضمير لإفادة أن الأصل في الشرع أن تكون اليمين عليهما ولكن استحقاقهما الإثم بما ظهر من حنثهما اقتضى ردها أي اليمين إلى الورثة فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا أي يحلفان على أن ما يشهدان به من خيانة الشهيدين اللذين شهدا على وصية ميتهما أحق وأصدق من شهادتهما بما كانا شهدا به، وأنهما ما اعتديا عليهما بتهمة باطلة أو ما اعتديا الحق فيما اتهموهما به إنا إذا لمن الظالمين أي ويقولان في قسمهما إنا إذا اعتدينا الحق وقلنا الباطل لداخلون في عداد الظالمين لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وانتقامه، والظالمين لمن ائتمنه ميتهم، وظلمهما محرم عليهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:إيضاح لتفسير الآيات وبلاغتها والاستنباط منها
قال الرازي بعد تفسير الآية الثانية : اتفق المفسرون على أنها في غاية الصعوبة إعرابا ونظما وحكما، وروى الواحدي رحمه الله في البسيط عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام اه.
وأورد الآلوسي في روح المعاني عبارة الرازي عن المفسرين دون رواية الواحدي عن عمر، ثم نقل مثلها عن السعد التفتازاني وعن الطبرسي في الآيتين – لا الثانية فقط – وقال إن الطبرسي افتخر بما أتى فيه ولم يأت بشيء.
أقول : نحن لا يروعنا ما يراه المفسرون من الصعوبة في إعراب بعض الآيات أو في حكمها لأن لهم مذاهب في النحو والفقه يزنون بها القرآن فلا يفهمونه إلا منها، والقرآن فوق النحو والفقه والمذاهب كلها، فهو أصل الأصول، ما وافقه فهو مقبول، وما خالفه فهو مردود مرذول، وإنما يهمنا ما يقوله علماء الصحابة والتابعين فيه، فهو العون الأكبر لنا على فهمه، ولم يرو عن أحد منهم ما يدل على وجدان شيء من الصعوبة في عبارة الآيتين. وما نقله الواحدي عن عمر رضي الله عنه في آية «فإن عثر على أنهما استحقا إثما» فليس مما يؤيد ما نقل عن المفسرين من استصعابها، بل معناه أن أحكامها أشد من سائر أحكام السورة، ولعله يعني بذلك ما فيها من التضييق في رد أيمان بعد أيمان، وإظهار فضائح من كذب وخان، قال في حقيقة الأساس : عضلت على فلان – ضيقت عليه أمره وحلت بينه وبين ما يريد. ومنه النهي عن عضل النساء أي منعهن من الزواج.
ولكن أصحاب المذاهب الفقهية اضطربوا في عدة أحكام من أحكامها لمجيئها مخالفة لأقيستهم ولما عليه العمل بثبوته في سائر الأحكام – منها حلف الشاهد اليمين، ومنها شهادة غير المسلم فيما هو خاص بالمسلمين، ومنها العمل بيمين المدعي، وقد اجتهدوا في تخريج كل مسألة من تلك المسائل على الثابت عندهم كما تراه قريبا.
حتى ادعوا في بعضها النسخ، ورووه عن بعض الصحابة بسند لم يصح، فلهذا رأينا بعد تفسير الآيتين بما يفهم من ظاهر اللفظ بالاختصار أن نفصل ما اشتملتا عليه من الفوائد والأحكام، ليظهر حتى للضعيف في علم العربية ما فيهما من إعجاز الإيجاز، وما جنته المذاهب النحوية والفقهية على كثير من العلماء، حتى قال ما قال في الآيتين أشهرهم بسعة الإطلاع أو بالدقة والذكاء.
أما دعوى النسخ فقد علم مما سلف ومما سيأتي قريبا ما عليه المحققون من أنه ليس في سورة المائدة منسوخ، وقد حرر المسألة الحافظ ابن كثير في تفسيره فقال :
«ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا ما رواه أبو جعفر بن جرير : حدثني يعقوب حدثنا هشيم قال أخبرنا زكريا عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الصلاة بدقوقا، قال فحضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب – قال – فقدما الكوفة فأتيا الأشعري يعني أبا موسى الأشعري رضي الله عنه فأخبراه وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال – فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته، - قال – فأمضى شهادتهما. ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي داود الطياليسي عن شعبة عن مغيرة الأزرق عن الشعبي أن أبا موسى قضى به. وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري. فقوله : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : الظاهر – والله أعلم – أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه كان سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرا يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام والله أعلم».
ثم قال الحافظ ابن كثير بعد أن أورد قول السدي في الآية الأولى :
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه كأني أنظر إلى العلجين حين انتُهيَ بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره ففتح الصحيفة فأنكر أهل الميت وخوفوهما فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين أن صاحبهم بهذا أوصى وأن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام ( أي الحاكم ) قبل أن يحلفا إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما. فإذا قال لهما ذلك فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها رواه ابن جرير اه المراد من كلام ابن كثير. وتأمل قوله :«ولم تجز لكما شهادة» فالظاهر أنه من كلام ابن عباس رضي الله عنه وسيأتي لبحث دعوى النسخ واستشكال الفقهاء مزيد بيان قريبا.
وأما الفوائد والأحكام التي اشتملت عليها الآيتان بإيجازهما، فهاك ما يتبادر إلى الذهن منها.

١-
الحث على الوصية وتأكيد أمرها وعدم التهاون فيها بشواغل السفر وإن قصرت فيه الصلاة وأبيح فيه الإفطار في رمضان.

٢-
الإشهاد على الوصية في الحضر والسفر، ليكون أمرها أثبت، والرجاء في تنفيذها أقوى، وإن كثيرا من الناس لا يكتبون وصيتهم ولا يشهدون أحدا عليها فيكون ذلك في بعض الأحيان سببا لضياعها.

٣-
إن الأصل في الإشهاد على الوصية أن يختار الشاهدان من المؤمنين الموثوق بعدالتهم كما ثبت في آيات أخرى أيضا، وحكمته ظاهرة من وجوه لا حاجة إلى شرحها.

٤-
إن إشهاد غير المسلمين على الوصية جائز مشروع. فإن وجبت الوصية وجب بشرطه وإلا فهو مندوب، لأن مقصد الشارع من إثبات الوصية لا يترك البتة إذا لم يتيسر إقامته على وجه الكمال، إذ الميسور لا يسقط بالمعسور، والمقام هنا مقام إثبات الحقوق، لا مقام التعبد الذي يشترط فيه الإيمان. ولا مقام التشريف والتكريم للأديان وأهل الأديان.

٥-
إن الشهادة تشمل ما يقوله كل من الخصمين من إقرار في القضية أو إنكار، ونفي للمدعي به أو إثبات.

٦-
شرعية اختيار الأوقات التي تؤثر في قلوب الشهود ومقسمي الأيمان ويرجى أن يصدقوا ويبروا فيها كما بيناه في تعليل القسم بعد الصلاة، ومثله في ذلك اختيار المكان، وهو مشروع أيضا.
ومما ورد في السنة في ذلك ما رواه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وصححه وابن ماجه بسند رجاله ثقات وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححوه عن جابر مرفوعا ( لا يحلف أحد عند منبري كاذبا إلا تبوأ مقعده من النار )١ وعن أبي هريرة حديث بمعناه عند أحمد وابن ماجه. وروى النسائي بإسناد رجاله ثقاب عن أبي أمامة بن ثعلبة رفعه ( من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا )٢ واستدل بالآية وبهذه الأحاديث جماهير الفقهاء على جواز التغليظ على الحالف بمكان معين تثبت حرمته شرعا كالمسجد الحرام، وخاصة ما بين الركن ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والمسجد النبوي وخاصة ما كان منه عند منبره صلى الله عليه وسلم، وبالزمان كيوم الجمعة وبعد صلاة العصر، وقال بعضهم – ومنهم الحنفية – أن ما ذكر من النصوص لا يدل على ذلك. ولعله لا ينكر أحد التغليظ بما ورد فيها، وإنما الخلاف في القياس عليها أو الأخذ بفحواها.
وقال الرازي في تفسير الآية : قال الشافعي رحمه الله : الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مئتي درهم – في الزمان والمكان، فيحلف بمكة بين الركن والمقام، وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد، وقال أبو حنيفة رحمه الله يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان ومكان، وهذا على خلاف الآية، ولأن المقصود منه التهويل والتعظيم، ولا شك أن الذي قاله الشافعي رضي الله عنه أقوى اه.
هذه العبارة تشهد على نفسها بالتعصب فلا يقال إن أبا حنيفة خالف الآية إلا إذا أجاز ترك العمل بمنطوقها في هذا الموضوع نفسه.

٧-
التغليظ على الحالف بصيغة اليمين بأن يقول فيه ما يرجى أن يكون رادعا للحالف عن الكذب كالألفاظ التي وردت في الآية، وأشد منها ما ورد في شهادة اللعان، وقد جرى على هذا أصحاب الجمعيات السياسية في الإسلام وغيره فاخترعوا أيمانا وأقساما قد يتحامى أفسق الناس وأجرأهم على الإجرام أن يحنث بها. وقد بينا ما يجب البر به وما يجب الحنث به من الأيمان وسائر مهمات أحكامها في تفسير آية كفارتها من هذه السورة.

٨-
إن الأصل في أخبار الناس وشهادتهم التي هي أخبار مؤكدة صادرة عن علم صحيح أن تكون مقبولة مصدقة. ولهذا شرط في حكم تحليف الشاهدين الارتياب في خبرهما، وصدر هذا الشرط بأن التي لا تدل على تحقق الوقوع، إشارة إلى أن الأصل في وقوعها أن يكون شاذا.

٩-
إن الأصل في الناس أن يكونوا أمناء، وفي المؤتمن أن يكون أمينا، وأن يكون ما يقوله في أمر الأمانة مقبولا. ولذلك قال «فإن عثر على أنهما استحقا إثما» فأفادت أداة الشرط أن الأصل في هذا أن لا يقع، وأنه إن وقع كان شاذا. وأفاد فعل «عثر» المبني للمفعول إن هذا الشذوذ إن وقع فشأنه أن يطلع عليه بالمصادفة والاتفاق، لا بالبحث وتتبع العثرات.

١٠-
شرعية تحليف الشهود إذا ارتاب الحكام أو الخصوم في شهادتهم، وهو الذي عليه العمل الآن في أكثر الأمم، بل تحتمه قوانينها الوضعية باطراد لكثرة ما يقع من شهادة الزور، وسيأتي بحث الفقهاء في ذلك.

١١-
١٢- شرعية ائتمان المسلم لغير المسلم على المال وشرعية تحليف المؤتمن والعمل بيمينه.

١٣-
شرعية رد اليمين إلى من قام الدليل على ضياع حق الله له بيمين صار حالفها خصما له. ومن هذا القبيل شهادة المتلاعنين وأقسامهما، فإذا شهد الرجل على امرأته بالزنا تلك الشهادة المشروعة في سورة النور المتضمنة للقسم المغلظ - ترد الشهادة مع اليمين إلى زوجه التي رماها بذلك، فإذا شهدت بالله مثل شهادته سقط عنها الحد وبرئت من التهمة في شرع الله، وبالنسبة إلى غيره من عباد الله. ومنه أيمان القسامة في الدماء، وقد اختلف الفقهاء فيمن يبدأ باليمين – المدعون ذووا القتيل ؟ أم المدعى عليهم ذووا المتهم بالقتل، وأيا ما كان البادئون فإن الأيمان ترد إلى الآخرين.

١٤-
إذا احتيج إلى قيام بعض الورثة لميت بأمر يتعلق بالتركة فالذي يجب تقديمه منهم للقيام به من كان أولاهم به. ومن بلاغة الإيجاز إبهام الأوليين بالقسم في الآية لاختلاف الأولوية باختلاف الأحوال والوقائع كما أشرنا إليه. فإذا تعين أصحاب الأولوية بلا نزاع فذاك وإلا فالحاكم هو الذي يقدم من يراه الأولى.

١٥-
صحة شهادة غير المسلم على المسلم والعمل بها في الجملة، وأخرناه ليتصل بما نوضحه به في الفصل الآتي.
كل هذه الأحكام مفهومة من الآيتين فتأمل جمعهما لهذه المعاني الكثيرة على إيجازهما وإيضاحهما للمعنى المقصود بهما بالذات.

فصل في حكم شهادة غير المسلمين على المسلمين


هذا بحث شرعي يجب أن نعطيه حقه من الاستقلال في الاستدلال فنقول : اعلم أن آيات القرآن في الإشهاد والاستشهاد منها المطلق ومنها المقيد. قال تعالى في اللاتي يأتين الفاحشة من المسلمات : فاستشهدوا عليهن أربعة منكم [ النساء : ١٤ ] الآية وقال تعالى في

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير