فَيُقْسِمّانِ بِاللهِ لشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا١ : فقيل قوله : يَا أَيهَا الّذينَ آمَنُوا ، خطاب للمؤمنين، فقوله تعالى :" منكم أو من غيركم "، ضمير يقتضي انصرافاً إلى المذكور قبله، لا للعشيرة، فكيف يجعل ضميراً عنها ولم يجد لها فيما تقدم ذكر، وهذا بين، لأن اليمين لا يتوجه لا على الشاهد من القبيلة ولا من غيرها٢.
والتأويل الثاني : ما نقل عن الشافعي، فإنه قال : نزلت الآية في مسلم حضره الموت وأوصى إلى نصرانيين، وسلم المال إليهما، والقصة مشهورة٣، وذلك لا يجوز أن يكون بطريق الشهادة، فإن الموصى إليه كيف يشهد على فعل نفسه، وعلى أنه رد على جميع ما عنده، ولم يكتم شيئاً.
وقد يسمى اليمين شهادة في قوله : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمِ أَرْبَعُ شَهَادَات بِاللهِ٤ .
فقيل لهم : اليمين لا يختص بالعدل. . فأجابوا بأنه ذكر العدل احتياطا في الوصية، واتقاء لليمين الفاجرة. . فقيل لهم : فما معنى قوله : فَإنْ عُثِرَ عَلى أَنّهُمَا استَحَقّا إثماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا٥ . . فأجابوا بأن معنى ذلك ما ذكر في سبب النزول، وهو أنه وجدوا جاما من فضة مخوصة بذهب عند رجل، وكان الجام من جملة التركة، فلما طولب الرجل به ذكر أنه اشتراه من تميم الداري٦ وعدي بن ندا، فلما روجعا في ذلك قالا : كان قد جعله الموصى لنا أو باعه منا.
وإذا كان كذلك، حلف الوارث لا المدعي لملك الجام، فهو معنى قوله :
فآخَرانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِِنَ الّذِينَ استَحقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيَقُسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَق مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعتَدَيْنَا٧ ، أي يحلفان أن الشيء لهما وما اعتديا، وهذا مجمل، فهذا وجه التأويل.
فأما النوع الآخر وهو دعوى النسخ، والناسخ لا بد من بيانه على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراضي الناسخ، وهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزلت وأن فيها : مِمّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ٨ ، والكافر لا يجوز أن يكون مرضياً عند المسلمين. وهذا لا يصلح أن يكون ناسخاً عندنا، فإنه في قصة غير قصة الوصية، وأمكن تخصيص الوصية به لمكان الحاجة والضرورة، لأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم، ويرتضيه عند الضرورة، فليس فيما قاله ناسخ.
والنوع الثاني من الناسخ آبانه بعده عن الأصول في التفرقة في قبول الشهادة في السفر والحضر وتحليف الشاهد إلى غير ذلك من وجوه لا تخفى، وهذا الجنس لا يصلح ناسخاً، وإنما يؤيد به التأويل بعد وجود التأويل.
وفي الآية دليل للشافعي على أن يمين تتغلظ بالزمان والمكان.
واستدل الرازي به على قبول شهادة الكافر على الكافر، فقال : في ضمن شهادة الكافر على المسلم في الوصية قبولها على أهل ملته لا محالة، ثبت النسخ في بعض ذلك فبقي في البعض، وهذا ضعيف جداً، فإن الآية إذا تضمنت حكماً وقد نسخ المذكور بعينه، فلا يتصور تقدير فرع له لم ينسخ وتعذر بقاؤه وهذا لا خفاء ببطلانه، فلم يطنب فيه٩.
٢ - في الأصل: ولا من غيره..
٣ - راجع تفسير القرطبي ج٥، وتفسير ابن كثير ج٢، وتفسير الطبري ج٧، وأحكام القرآن لابن العربي، وأحكام القرآن للشافعي، وأحكام القرآن للجصاصي، والدر المنثور للسيوطي..
٤ - سورة النور، آية ٦..
٥ - سورة المائدة، آية ١٠٧..
٦ - كما أخرجه الواحدي النيسابوري في كتابه أسباب النزول..
٧ - سورة المائدة، آية ١٠٧..
٨ - سورة البقرة، آية ٢٨٢..
٩ - انظر أحكام القرآن لابن عربي..
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي