١٧٨- قال الشافعي رحمه الله : قال الله جل ثناؤه : يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلُ اَحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبَاتُ وقال في النبي صلى الله عليه وسلم : وَيُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث ١ وإنما خوطب بذلك العرب الذين يسألون عن هذا ونزلت فيهم الأحكام ؛ وكانوا يتركون من خبيث المأكل ما لا يترك غيرهم.
قال الشافعي : وسمعت أهل العلم يقولون في قول الله عز وجل : قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية٢، يعني : مما كنتم تأكلون. ولم يكن الله عز وجل ليحرم عليهم من صيد البر في الإحرام إلا ما كان حلالا لهم في الإحلال ـ والله أعلم ـ فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الغُرَابِ والحِدَأَةِ٣ والعقرب والحيّةِ والفأرة والكلب العقور٤، دل ذلك على أن هذا مخرجه. ودل على معنى آخر : أن العرب كانت لا تأكل مما أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الإحرام شيئا، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع٥. ( مختصر المزني : ٢٨٥-٢٨٦. ون الأم : ٢/٢٤١-٢٤٢. )
ــــــــــــــــــــــــــ
١٧٩- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى : يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلُ اَحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ اَلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اَللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ٦.
قال الشافعي : فكان معقولا عن الله عز وجل إذا أذن في أكل ما أمسك الجوارح : أنهم إنما اتخذوا الجوارح لما لم ينالوه إلا بالجوارح، وإن لم ينزل ذلك نصا من كتاب الله عز وجل. فقال الله عز وجل : لَيَبْلُوَنَّكُمُ اَللَّهُ بشيء مِّنَ اَلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ٧ وقال تعالى : لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ٨ وقال تعالى : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ٩.
قال : ولما ذكر الله عز وجل أمره بالذبح وقال : إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ ١٠ كان معقولا عن الله عز وجل أنه إنما أمر به : فيما يمكن فيه الذبح والذكاة وإن لم يذكره.
فلما كان معقولا في حكم الله عز وجل ما وصفتُ : انبغي لأهل العلم عندي أن يعلموا ما حل من الحيوان. فذكاة المقدور عليه منه مثلُ الذَّبح، أو النحر، وذكاة غير المقدور عليه منه ما يُقْتَلُ به جارحٌ أو سلاحٌ.
قال : الكلب المعَلَّمُ : الذي إذا أُشْلِيَ : اسْتشلَى١١، وإذا أخذ : حَبَسْ، ولم يأكل. فإذا فعل هذا مرة بعد مرة كان مُعَلَّمًا، يأكل صاحبه مما حبس عليه ـ وإن قتل ـ ما لم يأكل.
قال الشافعي : وقد تسمى جوارحَ : لأنها تجرح ؛ فيكون اسما لازما. وأُحِلَّ ما أَمْسَكْنَ مطلقًا. ( أحكام الشافعي : ٢/٨٠-٨٢. ون أحكام الشافعي : ١/١٢٥-١٢٦. )
٢ - الأنعام: ١٤٥. وتمامها: إِلا أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُو رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا اَهِلَّ لِغَيْرِ اِللَّهِ بِهِ فَمَنُ اَضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ..
٣ - الحِدَأةُ: طائر يطير يصيد الخِرْذان. اللسان: حدأ..
٤ - أخرج البخاري في الإحصار وجزاء الصيد (٣٤) باب: ما يقتل المحرم من الدواب (١٨)(ر١٧٣١-١٧٣٢) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور».
وأخرجه مسلم في الحج (١٥) باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (٩)(ر١١٩٩-١٢٠٠).
وأخرجه أصحاب السنن، ومالك، والدارمي..
٥ - رواه البخاري في الذبائح والصيد (٧٥) باب: أكل كل ذي ناب من السباع (٢٩)(ر٥٢١٠).
ورواه مسلم في الصيد والذبائح (٣٤) باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع (٣)(ر١٩٣٢).
ورواه مالك في الصيد (٢٥) باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع (٤)(ر١٣-١٤)..
٦ - المائدة: ٤..
٧ - المائدة: ٩٤..
٨ - المائدة: ٩٥..
٩ - المائدة: ٢..
١٠ - المائدة: ٣..
١١ - أشلى الشاة والكلب واستشلاهما: دعاهما بأسمائهما. والإشلاء: الدعاء. وأشليت الكلب على الصيد فإنما معناه دعوته فأرسلته على الصيد. اللسان: شلا..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي