و لما كان الأصل في الأشياء الحل لان الله سخر لنا ما في الأرض جميعا لننتفع به والمحظور علينا هو ما يضرنا ولكن الناس يتصدون أحيانا لفعل ما يضرهم وترك ما ينفعهم كما كانت تفعل العرب إذا استباحت أكل الميتة والدم ونحوها من الخبائث وحرمت على نفسها بعض الطيبات من الأنعام بخرافات وأوهام باطلة كالبحيرة والسائبة ونحوهما – كانت الحاجة ماسة إلى بيان ما يحله الله تعالى مما حرموه بعد بيان ما حرمه مما أحلوه فقال :
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( المائدة : ٤-٥ )
تفسير المفردات : الطيب : ضد الخبيث والجوارح : واحدها جارحة وهي الصائدة من الكلاب والفهود والطيور من الجرح بمعنى الكسب قال تعالى : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ( الأنعام : ٦٠ ) أي ما كسبتم ومكلبين من التكليب وهو تعليم الكلاب وإضراؤها بالصيد ثم استعمل في تعليم الجوارح مطلقا والمحصنات هنا الحرائر وقيل العفيفات عن الزنى
المعنى الجملي : روى ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا رافع بقتل الكلاب في المدينة جاء الناس فقالوا : يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فأنزل الله الآية فقرأها.
و روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟ فنزلت الآيات.
الأيضاح : يسألونك ماذا أحل لهم أي يسألك المؤمنون ماذا أحل الله لهم من الطعام ؟
قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله الطيبات ما تستطيبها النفوس السليمة الفطرة المعتدلة المعيشة بمفتضى طبعها فتأكلها باشتهاء وما أكله الإنسان كدلك يسيغه ويهضمه بسهولة ويتغذى به غذاء صالحا وما يستخبثه ويعافه لا يسهل عليه هضمه ويضره غالبا فما حرمه الله في الآية السابقة خبيث بشهادة الله الموافقه للفطرة المعتدلة وأصحاب الفطر السليمة يعافون أكل الميتة حتف أنفها وما ماثلها من فرائس السباع والمترديات والنطائح والدم المسفوح وكذلك الخنزير يعافه من يعرف ضرره وانهماكه في أكل القاذورات.
و الخلاصة : أحل لكم أيها المكلفون ما يستطاب أكله ويشتهي دون ما يخبث أو يعاف وأحل لكم صيد الجوارح يشرط أن يكون الجارح الذي صاده مما أدبه الناس وعلموه الصيد حتى يصح أن ينسب الصيد إليهم ويكون قتل الجارح له كتذكية مرسله إياه.
أما الطيبات فهي ما عدا المنصوص على تحريمه كبهيمة الأنعام وصيد البر والبحر أي ما من شأنه أن يصاد منهما فالبحر كل حيوانه يصاد والبر يصاد منه ما يؤكل ما عدا سباع الوحش والطير لحديث ابن عباس : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير " وحديث أبي ثعلبة الخشني " كل ذي ناب من السباع فأكله حرام. رواهما أحمد ومسلم وأصحاب السنن.
فكلوا مما أمسكن عليكم أي فكلوا من الصيد ما تمسكه الجوارح عليكم أي تصيده لأجلكم فتحبسه وتقفه عليكم بعدم أكلها منه فإن أكلت منه فلا يحلّ أكل ما فضل عنها عند الجمهور لأنه مثل فريسة السبع المحرمة في الآية السابقة.
واذكروا اسم الله عليه أي وسموا عليه عند إرساله كما روى ذلك عن ابن عباس لحديث عدي بن حاتم " إذا أرسلت كلبك وسميت فاخذ فقتل فكل " والتسمية واجبة عند أبي حنيفة ومستحبة عند الشافعي.
واتقوا الله عن الله سريع الحساب أي واتقوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ولا تقدموا علة مخالفته فتأكلوا من صيد الجوارح غير المعلمة أو مما لم تمسك عليكم من صيدها وأمسكته على نفسها أو تطعموا ما لم يسمّ الله عليه من الصيد والذبائح مما صاده أهل الأوثان فإن الله قد حرم ذلك عليكم فاجتنبوه واعلموا أن الله لا يضيع شيئا من أعمالكم بل تحاسبون عليها وتجازون في الدنيا والآخرة وهو يحاسب الناس كلهم يوم القيامة في وقت واحد فما أجدر حسابه أن يكون سريعا.
المعنى الجملي : روى ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا رافع بقتل الكلاب في المدينة جاء الناس فقالوا : يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فأنزل الله الآية فقرأها.
و روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟ فنزلت الآيات.
تفسير المراغي
المراغي