ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

مطلب : اسم الطيبات يطلق على الحلال وعلى المستلذ
وقوله عز وجل : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ اسم الطيبات يتناول معنيين، أحدهما : الطيب المستلذ، والآخر : الحلال ؛ وذلك لأن ضد الطيّب هو الخبيث، والخبيثُ حرامٌ، فإذاً الطيب حلال ؛ والأصل فيه الاستلذاذ، فشبه الحلال به في انتفاء المضرة منهما جميعاً ؛ وقال تعالى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات [ المؤمنون : ٥١ ] يعني الحلال، وقال : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث [ الأعراف : ١٥٧ ] فجعل الطيبات في مقابلة الخبائث، والخبائثُ هي المحرمات ؛ وقال تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ النساء : ٣ ] وهو يحتمل : ما حلَّ لكم، ويحتمل : ما استطبتموه.
مطلب : يحتج بظاهر هذه الآية في إباحة جميع المستلذات إلا ما خصه الدليل
فقوله : قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ جائز أن يريد به ما استطبتموه واستلذتموه مما لا ضرر عليكم في تناوله من طريق الدين، فيرجع ذلك إلى معنى الحلال الذي لا تَبِعَةَ على متناوله، وجائز أن يحتج بظاهره في إباحة جميع الأشياء المستلذة إلاّ ما خصه الدليل.
مطلب : في أمره عليه السلام أبا رافع بقتل الكلاب
قوله تعالى : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ حدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا يعقوب بن غيلان العماني قال : حدثنا هناد بن السري قال : حدثنا يحيى بن زكريا قال : حدثنا إبراهيم بن عبيد قال : حدثني أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن سلمى عن أبي رافع قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل الكلاب، فقال الناس : يا رسول الله ما أُحِلَّ لنا من هذه الأمّة التي أمرت بقتلها ؟ فأنزل الله : قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ الآية. حدثنا عبدالباقي قال : حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل وابن عبدوس بن كامل قالا : حدثنا عبيدالله بن عمر الجشمي قال : حدثنا أبو معشر النواء قال : حدثنا عمرو بن بشير قال : حدثنا عامر الشعبي عن عديّ بن حاتم قال : لما سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلاب لم يَدْرِ ما يقول لي حتى نزلت : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبَينَ .
قال أبو بكر : قد اقتضى ظاهر هذا الحديث الأول أن تكون الإباحةُ تناولت ما عَلَّمْنا من الجوارح، وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع بها، فدلّ على جواز بيع الكلاب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه الانتفاع إلاّ ما خصه الدليل وهو الأكل. ومن الناس من يجعل في الكلام حذفاً، فجعله بمنزلة : قل أحل لكم الطيبات من صيد ما عَلَّمتم من الجوارح ؛ ويستدلّ عليه بحديث عدي بن حاتم الذي ذكرناه حين سأله عن صيد الكلاب فأنزل الله تعالى : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلَّبِينَ ، وحديث أبي رافع فيه أنه سئل عما أحلّ من الكلاب التي أمروا بقتلها فأنزل الله تعالى الآية ؛ وليس يمتنع أن تكون الآية منتظمة لإباحة الانتفاع بالكلاب وبصيدها جميعاً، وحيقيقة اللفظ تقتضي الكلاب أنفسها ؛ لأن قوله : وَمَا عَلَّمْتُمْ يوجب إباحة ما عَلَّمْنَا، وإضمار الصيد فيه يحتاج إلى دلالة، وفي فحوى الآية دليل على إباحة صيدها أيضاً وهو قوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ فحَمْلُ الآية على المعنيين واستعمالها فيهما على الفائدتين أوْلى من الاقتصار على أحدهما. وقد دلت الآية أيضاً على أن شرط إباحة الجوارح أن تكون معلَّمة، لقوله : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ وقوله : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ .
وأما الجوارح فإنه قد قيل إنها الكواسب للصيد على أهلها، وهي الكلاب وسباع الطير التي تصطاد وغيرها، واحدها " جارح " ومنه سُمّيت الجارحة لأنه يكسب بها، قال الله تعالى : ما جرحتم بالنهار [ الأنعام : ٦٠ ] يعني : ما كسبتم ؛ ومنه : أم حسب الذين اجترحوا السيئات [ الجاثية : ٢١ ] ؛ وذلك يدل على جواز الاصطياد بكل ما علم الاصطياد من سائر ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير. وقيل في الجوارح إنها ما تجرح بنابٍ أو مخلب، قال محمد في الزيادات : إذا صدم الكلب الصيد ولم يجرحه فمات لم يُؤكل لأنه لم يجرح بنابٍ أو مخلب ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ فإنما يحلّ صيد ما يجرح بناب أو مخلب. وإذا كان الاسم يقع عليهما فليس يمتنع أن يكونا مرادين باللفظ، فيريد بالكواسب ما يُكْسَبُ بالاصطياد فيفيد الأصناف التي يصطاد بها من الكلاب والفهود وسباع الطير وجميع ما يقبل التعليم، ويفيد مع ذلك في شرط الذكاة وُقُوعَ الجراحة بالمقتول من الصيد وأن ذلك شرط ذكاته. ويدلّ أيضاً عَلى أن الجراحة مرادة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في المعراض أنه :" إن خَزَقَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وإنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فلا تَأْكُلْ " ومتى وجدنا للنبي صلى الله عليه وسلم حُكْماً يواطىء معنى ما في القرآن، وجب حمل مراد القرآن عليه وأن ذلك مما أراد الله تعالى به.
وقوله تعالى : مُكَلِّبِينَ قد قيل فيه وجهان، أحدهما : أن المُكَلِّبَ هو صاحبُ الكلب الذي يعلّمه الصيد ويؤدّبه. وقيل معناه : مضرِّين على الصيد كما تُضَرَّى الكلاب ؛ والتكليب هو التضرية يقال : كَلْبٌ كَلِبٌ إذا ضَرَّى بالناس. وليس في قوله : مُكَلِّبِينَ تخصيص للكلاب دون غيرها من الجوارح، إذ كانت التَّضْرِيةُ عامة فيهن، وكذلك إن أراد به تأديب الكلب وتعليمه كان ذلك عموماً في سائر الجوارح.
وقد اختلف السلف فيما قتلته الجوارح غير الكلاب، فروى مروان العمري عن نافع عن علي بن الحسين قال :" الصقر والبازي من الجوارح مكلّبين ". وروى معمر عن ليث قال : سئل مجاهد عن البازي والفهد وما يُصَادُ به من السباع، فقال :" هذه كلها جوارح ". ورَوَى ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى : مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ قال :" الطير والكلاب ". وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ قال :" الجوارح الكلاب وما تعلّم من البزاة والفهود ". وروى أشعث عن الحسن : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ قال :" الصقر والبازي والفهد بمنزلة الكلب ". وروَى صخر بن جويرية عن نافع قال : وجدت في كتاب لعليّ بن أبي طالب قال :" لا يصلح أكْلُ ما قتلته البُزَاةُ ". وروى ابن جريج عن نافع قال : قال عبدالله : فأما ما صاد من الطير البزاة وغيرها فما أَدْرَكْتَ ذكاته فذكَّيْتَهُ فهو لك وإلاّ فلا تَطْعَمْهُ ". وروى سلمة بن علقمة عن نافع أن عليّاً كره ما قتلت الصقور. وروى أبو بشر عن مجاهد أنه كان يكره صيد الطير ويقول : مُكَلِّبِينَ إنما هي الكلاب.
قال أبو بكر : فتأول بعضهم قوله : مُكَلِّبِينَ على الكلاب خاصة، وتأوله بعضهم على الكلاب وغيرها ؛ ومعلوم أن قوله تعالى : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ شامل للطير والكلاب، ثم قوله : مُكَلِّبِينَ محتمل لأن يريد به الكلاب ويحتمل أن يريد به جميع ما تقدم ذكره من الجوارح والكلاب منها، ويكون قوله : مُكَلِّبِينَ بمعنى مؤدِّبين أو مضرّين، ولا يخصص ذلك بالكلاب دون غيرها ؛ فوجب حمله على العموم وأن لا يخصص بالاحتمال. ولا نعلم خلافاً بين فقهاء الأمصار في إباحة صيد الطير وإنْ قَتَلَ وأنه كصيد الكلب ؛ قال أصحابنا ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي :" ما علَّمْتَ من كل ذي مخلب من الطير وذي ناب من السباع فإنه يجوز صيده ". وظاهر الآية يشهد لهذه المقالة ؛ لأنه أباح صيد الجوارح وهو مشتمل على جميع ما يجرح بناب أو بمخلب وعلى ما يكسب على أهله بالاصطياد لم يفرق فيه بين الكلب وبين غيره. وقوله تعالى : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ يدلّ على أن شرط إباحة صيد هذه الجوارح أن تكون معلَّمةً وأنها إذا لم تكن معلمة فَقَتَلَتْ لم يكن مذكَّى ؛ وذلك لأن الخطاب خرج على سؤال السائلين عما يحلّ من الصيد، فأطلق لهم إباحة صيد الجوارح المعلَّمة، وذلك شامل لجميع ما شملته الإباحة وانتظمه الإطلاق ؛ لأن السؤال وقع عن جميع ما يحل لهم من الصيد فخُصَّ الجواب بالأوصاف المذكورة، فلا تجوز استباحة شيء منه إلا على الوصف المذكور. ثم قال تعالى : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ، فرُوي عن سلمان وسعد أن تعليمه أن يُضَرَّى على الصيد ويعود إلى إلْفِ صاحبه حتى يرجع إليه ولا يهرب عنه. وكذلك قال ابن عمر وسعيد بن المسيب، ولم يشرطوا فيه تَرْكَ الأكل. ورُوي عن غيرهما أن ذلك من تعليم الكلب، وأن من شرط إباحة صيده أن لا يأكل منه، فإن أكل منه لم يُؤكل ؛ وهو قول ابن عباس وعدي بن حاتم وأبي هريرة ؛ وقالوا جميعاً في صيد البازي إنه يُؤكل وإنْ أكَلَ منه ؛ وإنما تعليمه أن تدعوه فيجيبك.
ذكر اختلاف الفقهاء في ذلك
مطلب : لا يؤكل صيد الكلب المعلم إذا أكل منه ويؤكل صيد البازي وإن أكل منه
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر :" إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلَّم لا يؤكل صيده، ويؤكل صيد البازي وإن أكل "، وهو قول الثوري. وقال مالك والأوزاعي والليث :" يؤكل وإن أكل الكلب منه ". وقال الشافعي :" لا يؤكل إذا أكل الكلب منه والبازي مثله في القياس ". قال أبو بكر : اتفق السلف المجيزون لصيد الجوارح من سباع الطير أن صيدها يؤكل وإن أكلت منه، منهم سعد وابن عباس وسلمان وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن المسيب ؛ وإنما اختلفوا في صيد الكلب، فقال علي بن أبي طالب وابن عباس وعدي بن حاتم وأبو هريرة وسعيد بن جبير وإبراهيم :" لا يؤكل صيد الكلب إذا أَكَلَ منه ". وقال سلمان وسعد وابن عمر :" يؤكل صيده وإن لم يَبْقَ منه إلا ثُلُثَهُ ". وهو قول الحسن وعبيد بن عمير، وإحدى الروايتين عن أبي هريرة وعطاء وسليمان بن يسار وابن شهاب. قال أبو بكر : معلوم من حال الكلب قبوله للتأديب في ترك الأكل، فجائز أن يعلم تركه ويكون تركه للأكل علماً للتعليم ودلالة عليه، فيكون تركه للأكل من شرائطه صحة ذكاته ووجودُ الأكل مانع من صحة ذكاته. وأما البازي فإنه معلوم أنه لا يمكن تعليمه بترك الأكل وأنه لا يقبل التعليم من هذه الجهة، فإذ كان الله قد أباح صيد جميع الجوارح على شرط التعليم فغير جائز أن يكون من شرط التعليم للبازي تركه الأكل، إذْ لا سبيل إلى تعليمه ذلك، ولا يجوز أن يكلفه الله تعليم ما لا يصحّ منه التعلم وقبول التأديب ؛ فثبت أن تَرْكَ الأكل ليس من شرائط تعلم البازي وجوارح الطير، وكان ذلك من شرائط تعلّم الكلب لأنه يقبله ويمكن تأديبه به. ويشبه أن يكون ما رُوي عن علي بن أبي طالب وغيره في حَظْرِ ما قتله البازي، منْ حيثُ كان عندهم أن من شرط التعليم ترك الأكل، وذلك غير ممكن في الطير فلم يكن معلَّماً فلا يكون ما قتله مُذَكَّى. إلا أن ذلك يؤدّي إلى أن لا تكون لذكر التعليم في الجوارح من الطير فائدة، إذ كان صيدها غير مذكَّى، وأن يكون المعلَّمُ وغير المعلَّمِ فيه سواء، وذلك غير جائز لأن الله

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير