ولما ذكر ما حرم عليهم ؛ ذكر ما أحل لهم، فقال :
يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ. . .
قلت : لم يقل ماذا أحل لنا ؛ لأن يسألونك بلفظ الغيبة، وكلا الوجهين شائع في أمثاله. قاله البيضاوي.
يقول الحقّ جلّ جلاله : يسألونك يا محمد عن الذي أُحل لهم من المآكل، بعد الذي حرم عليهم من الخبائث، فقل لهم : أحل لكم الطيبات وهو عند مالك : ما لم يدل دليل على تحريمه من كتاب ولا سنة، وعند الشافعي : ما يستلذه الطبع السليم ولم يفّر عنه، فحرم الخنافس وشبهها، و أحل لكم صيد ما علّمتم من الجوارح أي : الكواسب، وهي الكلاب ونحوها، مما يصطاد به ويكسب الصيد على أهله، من سباع وذوات أربع، وطير، ونحوها، حال كونكم مُكلبين أي : معلمين لها الاصطياد، أي : مؤدبين لها، تُعلمونهن مما علمكم الله من الحيل وصدق التأديب، فإن العلم بها إلهام من الله، أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة من الله لابن آدم. وحد التعليم عند ابن القاسم : أن يفهم الجارح الإشلاء والزجر، وقيل : الإشلاء ؛ أي : التسلط فقط، وقيل ؛ الزجر فقط، وقيل : أن يجيب إذا دُعي.
فكلوا مما أمسكن عليكم ولم يأكل منه، لقوله صلى الله عليه وسلم :" وإن أكَلَ، فلاَ تَأكُل ؛ فَإنَّما أمسكَ عَلَى نَفسِه " ١. وهو مذهب الشافعي، وقال مالك : يؤكل مطلقًا لما في بعض الأحاديث :" وإن أكلَ فكُل " ٢، وقال بعضهم : لا يشترط ذلك في سَباع الطير ؛ لأن تأديبها إلى هذا الحد متعذر.
واذكروا اسم الله عليه أي : على ما علمتم عند إرساله، ولو لم ير المرسل عليه، وكذا عند الرمي المحدد ونحوه، فإن سمي على شيء مُعين ووجد غيره لم يؤكل، أو التبس مع غيره، وإن سمي على ما وجد أكل الجميع، ولا بد من نية الذكاة عند الإرسال أو الرمي، واختلف في حكم التسمية، فقال الظاهرية : أنها واجبة مطلقًا، فإن تركت عمدًا أو سهوًا لم تؤكل عندهم، وقال الشافعي : مستحبة، حملاً للأمر على الندب، فإن تركت عمدًا أو سهوًا أكلت عنده.
وجعل بعضُهم الضمير في عليه ، عائدًا على الأكل، فليس فيها على هذا أمر بالتسمية على الصيد، ومذهب مالك : أنه إن تركت التسمية عمدًا لم تؤكل، وإن تركت سهوًا أكلت، فهي عنده واجبة بالذكر ساقطة بالنسيان، وهذا الخلاف جار في الذكاة كلها.
واتقوا الله في اجتناب محرماته، إن الله سريع الحساب ، فيؤاخذكم على ما جلّ ودق.
الإشارة : يسألونك أيها العارف الرباني ماذا أحل للفقراء من الأعمال والأحوال، قل لهم : أحل لكم الطيبات، أي : الخالص من الأعمال، والصافي من الأحوال، والتلذذ بحلاوة المشاهدة والمكالمة، وما اصطادت لكم أنفسكم من العلوم اللدنية والأسرار القدسية، بقدر تزكيتها وتربيتها، فكلوا مما أمسكن عليكم، أي : تمتعوا بما أتت به لكم من أبكار الحِكَم وعرائس الحقائق، فإن أتت شيء من علوم الحس، فاذكروا اسم الله عليه ينقلب معاني، واتقوا الله أن تقفوا مع شيء سواه، إن الله سريع الحساب ؛ فيحاسبكم على الخواطر والطوارق إن لم تعرفوا فيها. اليوم أحل لكم الطيبات، أي : حين دخلتم بلاد المعاني ورسختم فيها، أحل لكم التمتع بالمشاهدات والمناجات، وطعام العلوم الظاهرة حِلٌّ لكم تتوسعون بها، وطعامكم حل لهم، أي : وتذكيركم بما يقدرون عليه حِلٌّ لهم ؛ لأن العارف الكامل يُسير كل واحد على سيره، ويتلون معه بلونه، يُقره في بلده ويحوشه إلى ربه. نفعنا الله بذكره. آمين.
٢ أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٢٣..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي