ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ( ٩٥ ).
٣٦٤- قالوا : منازل التقوى ثلاثة : تقوى عن الشرك، وتقوى عن البدعة، وتقوى عن المعاصي الفرعية. ولقد ذكرها الله سبحانه في آية واحدة، وهي قوله تعالى : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا .
التقوى الأولى : تقوى عن الشرك، والإيمان في مقابلته وهو التوحيد.
والتقوى الثانية : عن البدعة، والإيمان الذي ذكر معها إقرار بالسنة والجماعة.
التقوى الثالثة : عن المعاصي الفرعية، ولا إقرار في هذه المنزلة، فقابلها بالإحسان وهو الطاعة والاستقامة في الطاعة. هذا ما قاله العلماء في بيان معنى التقوى.
قلت : أنا وجدت التقوى بمعنى اجتناب فضول الحلال، وهو ما روي في الخبر المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إنما سمي المتقون متقين، لتركهم ما لا بأس به حذرا عما به بأس )(١).
فأحببت أن أجمع بين ما قاله علماؤنا رحمهم الله تعالى، وبين ما جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون حدا جامعا ومعنى بالغا.
فأقول : التقوى هو اجتناب كل ما تخاف منه من ضرر في دينك، ألا ترى أنه يقال للمريض المحتمي إنه يتقي إذا اجتنب كل شيء يضره في بدنه من طعام أو شراب أو فاكهة أو غيرها.
ثم الذي يخاف منه الضرر في أمر الدين قسمان : محض الحرام ومحض المعصية، وفضول الحلال، وذلك لشره أمر النفس وطغيانها، وتمرد الهوى وعصيانه، فمن أراد أن يأمن الضرر في أمر دينه، اجتنب الخطر، فامتنع عن فضول الحلال حذرا أن يجره إلى محض الحرام، على ما قاله صلى الله عليه وسلم :( لتركهم ما لا بأس به حذرا مما به بأس )، يعني : لتركهم فضول الحلال حذرا عن الوقوع في الحرام. فالتقوى البالغة الجامعة اجتناب كل ما فيه ضرر لأمر الدين، وهو المعصية والفضول، هذا تفضيلها(٢).
أما إذا أردنا تحديدها على موضوع علم الشرع فنقول :
حد التقوى الجامع : تنزيه القلب عن شر لم يسبق عنك مثله، بقوة العزم على تركه حتى يصير ذلك وقاية بينك وبين كل شر. [ منهاج العابدين : ١٢٩-١٣١ ]
٢ - أي هذا الذي ذكرناه هو تفصيل التقوى..
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي