تمهيد :
عرف العرب الخمر ومدحوها في أشعارهم وتحدثوا عن أسباب شربها فهي تولد فيهم الشجاعة والجرأة وتنسيهم آلام الفقر على حد قول الشاعر :
فإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير
وإذ صحوت فإني رب الشهوية والبعير
وقد كان الشارع حكيما في التدرج في التشريع فقد حرم الخمر بالتدريج، كما حرم الزنا بالتدريج.
تقول عائشة رضي الله عنها :( لو نزل أول ما نزل لا تشربوا الخمر لقال الناس : لا نترك الخمر أبدا، ولو نزل أول ما نزل لا تقربوا الزنا لقال الناس : لا نترك الزنا أبدا، وإنما نزل أول ما نزل آيات تدعوا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر حتى إذ استقر الإيمان في القلوب حرم الله الخمر وحرم الزنا ) ( ٥ ).
لقد نزلت آية في مكة تحذر من الزنا ولم تشرع عقوبة للزناة بمكة، ففي سورة الفرقان مدح الله عباد الرحمن بصفات متعددة منها بعدهم عن الزنا، وفي سورة الإسراء وهي من أواخر ما نزل بمكة يقول الله تعالى : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيل . وفي سورة النور التي نزلت في أعقاب غزوة بني المصطلق حوالي سنة ٦ للهجرة أنزل الله تحريم الزنا وشرع عقوبة رادعة له واعتبر الزنا جريمة جنائية يجب على شرطة الدول وإدارتها معاقبة الزنا وإقامة الحد عليهم بشروط معينة.
وكذلك تحريم الخمر مر بمراحل ثلاث :
المرحلة الأولى : بيان أن ضرر الخمر أكثر من نفعه، والمعروف أن ما كثر ضرره وجب تركه.
قال تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما. فترك الخمر بعض الناس، ولم يتركه الجميع.
ثم قال تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فترك الخمر بعض الناس، وشربها بعضهم في غير أوقات الصلاة.
ثم حرم الله تعالى الخمر تحريما قاطعا مبينا مفاسدها وآثامها. محذرا من إفسادها لدين المسلم وقواه العقلية لما وردت أحاديث كثيرة بروايات متعددة في تحريم الخمر وتحريم صنعها، والاتصال بها على أي نحو من الأنحاء.
حتى قال العلماء : ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحريم الخمر بأخبار بلغ بمجموعها رتبة التواتر، وأجمعت الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا على تحريمها وبذلك استقرت الحرمة حكما للخمر في الإسلام، وصارت حرمتها من المعلوم من الدين بالضرورة ( ٦ ).
المفردات :
فيما طعموا : أي : فيما تناولوا قبل التحريم.
التفسير :
٩٣- ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين.
سبب النزول :
لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها، ويأكل الميسر، وماتوا وهي في بطونهم فكان الجواب أنهم ماتوا قبل تحريمها، فلم يكن عليهم في شربها إثم وكانوا أتقياء.
قال القرطبي :
وهذه الآية نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت وما كان الله ليضيع إيمانكم...... الآية ( البقرة : ٤٣ ).
والمعنى :( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ) أي إثم أو عقوبة ( فيما طعموا ) أي فيما تناولوه من طعام أو شراب قبل تحريمه، وكذلك لا إثم على من مات قبل التحريم والخمر في بطنه.
إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات. إذ اتقوا الله وخافوه وعملوا الأعمال الصالحة.
ثم اتقوا وآمنوا أي ثم استمروا على تقواهم وامتلاء قلوبهم بخشية الله والإيمان الحق به سبحانه.
ثم اتقوا وأحسنوا ثم تأكد استمرارهم على التقوى وإحسان العمل والإخلاص لله في السر والعلن.
والله يحب المحسنين. أي يرضى عنهم ويشملهم برحمته.
والإحسان : أسمى أنواع العبادة : وهي عبادة الله مع الإخلاص وصدق النية، وفي الحديث الصحيح ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ( ١٥ ).
والآية تشتمل على جانب من مظاهر رحمة الله بعباده، فإنه لا يؤاخذ الناس على الفعل إلا من بداية تحريمه، فمن مات شاربا للخمر قبل تحريمها فلا جناح ولا إثم عليه.
وتلحظ أن الآية ختمت بوصف التقوى وتكرير التقوى، والمقصود من ذلك، وجوب امتلاء قلب المؤمن بتقوى الله، واستمراره على ذلك حتى يصل إلى مرتبة الإحسان في العبادة.
قال الطبري :
الاتقاء الأول : هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق.
والاتقاء الثاني : الثبات على التصديق.
والثالث الإحسان والتقرب بالنوافل.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة