ﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا... (٩٣)
* * *
كان بعض المؤمنين يحرمون على أنفسهم بعض المباحات، ويحسبون أن ذلك من الورع والتقوى، وقد بين النبي - ﷺ - خطأهم، ونزل القرآن الكريم بتحريم ذلك عليهم، وجاء في مطوي الكلام تحريم الخبائث لَا تحريم الطيبات، ِ وفي هذا النص الكريم بيان أنه لَا إثم في تناول المباحات؛ لأن العبرة بالإيمان وتقوى القلوب،

صفحة رقم 2350

فالخبر في الإيمان وفي القلب لَا في ترك المباحات، وهذا يشير إلى أن الآيات حكمها عام، وهو كذلك، وإن كان لها سبب فالعبرة بعموم اللفظ.
والأكثرون من المفسرين على أن سبب نزولها أنه لَا نزل تحريم الخمر المشدد فيه، والتحذير منها، وقد كانت من قبل في مرتبة العفو، وقد كان هناك من المؤمنين من يشربها، حتى كان منهم من استشهد في الجهاد، وفي بطنه خمر فتساءل بعض المؤمنين عمن شربها ومات، وعمن كان يشربها من الأحياء، كما تساءل بعض الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس عن صلاتهم قبل تغيير القبلة إلى الكعبة، فنزلت هذه الآية: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). كما نزل هنالك قوله تعالى: (... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ).
وقد وصف الله سبحانه وتعالى الذين لَا جناح عليهم في شربهم في الماضي بأنهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكلمة: " طعموا " معناها ذاقوا، وهي تطلق على المشروب، والمأكول، كما قال تعالى في شأن النهر الذي حرم القائد شربه: (... وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي...)، وقد ذكر سبحانه وتعالى بعد نفي الإثم قوله تعالى: (إِذَا مَا اتَّقَوْا وآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). ففهم بعض الناس أن ذلك شرط لنفي الإثم، أي لَا إثم بالشرب مع التقوى وعمل الصالحات، ونقول في الجواب عن ذلك:
أولا - إن المراد بتقوى الله تعالى امتلاء القلب بخشيته، وقد ذكر سبحانه وتعالى في أوصاف الخمر والميسر أنهما يلقيان بالعداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى فإذا كان الإثم قد رفع عن التناول لأنه كان قبل التحريم، فهل يرفع الإثم عن العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة؛ إنه لَا تقوى مع التناول.
وثانيا - إن في هذا الشرط تحريضا على الإيمان وتقوى الله تعالى، والامتلاء بهيبته.

صفحة رقم 2351

وكرر الله تعالى التقوى، فقال تعالت كلماته: (ثُمَّ اتَّقَوْا وآَمَنُوا). لبيان أنه يجب استمرارهم على التقوى، وحث غيرهم عليها، وكان التعبير بـ " ثم " لتأكيد معنى الاستمرار على التراخي، وهناك معنى يفيده التكرار، وهو تأكيد أن الماضي مهما يكن لَا يؤثر في الحاضر، إذا كان الحاضر نقيا، وقد تأكد هذا بقوله سبحانه:
(ثُمَّ اتَّقَوْا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) العطف بـ " ثم " هنا هو أيضا لتأكيد معنى الاستمرار مع الزمن، والتقوى كما قلنا هي امتلاء القلب بالخشية، وهذا للحث عليها، ولتشريف الذين يستمرون عليها، والإحسان إن اعتبرناه متعديا يكون مؤاده الإحسان إلى غيرهم بالمعاونة، وفعل الخير وإسدائه، والجود بالمال وغيره، ويصح أن يكون لازما والمراد الإحسان في ذات أنفسهم، كما قال النبي عليه السلام: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (١) وهذا أعلى مراتب التقوى وهو ما نراه، والله جل جلاله يحب المحسنين لأنهم قريبون منه.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)
________
(١) سبق تخريجه من رواية البخاري ومسلم، وهو المعروف باسم حديث جبريل الشهير.

صفحة رقم 2352

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)
* * *
ذكر سبحانه وتعالى أشياء محرمة لذاتها لأنها مستقذرة، خبيثة في ذاتها، وفى نتائجها، وهناك محرمات لمكانها وحال التناول لها، وليست في ذاتها حراما، ومن ذلك المحرمات في الحج أو في الإحرام بشكل عام، سواء أكان للحج أم كان للعمرة أم كان لهما - وبعد أن أشار إلى بعض المحرمات لخبثها، ولذاتها وهي الخمر، ذكر سبحانه وتعالى المحرمات لمكانها وحال التناول لها، فقال سبحانه وتعالى:

صفحة رقم 2353

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية